الخميس 16 أغسطس 2018

القدس.. عقدة الصراع

مدينة القدس (أرشيف)
مدينة القدس (أرشيف)
فجر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قنبلة دوت على المستوى العالمي والعربي، بعد إعلانه القدس عاصمة إسرائيل، رغم أن هذا الإعلان لم يكن مفاجأة بالقدر الذي تلقاه الكثيرون، حيث أنه وعد بذلك في أثناء حملته الانتخابية، وأكد بعد توليه الرئاسة عزمه الوفاء بعهوده حيال القدس، ونقل سفارة بلاده إليها.

القرار نفسه، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كان صدر عن الكونغرس الأمريكي منذ 1995، إلا أن إعلان ترامب وتوقيعه القرار، معتبراً القدس عاصمة لإسرائيل، يعتبر مخالفاً لتوجهات المجتمع الدولي، الذي يرى في القدس نقطة خلافية، تحل على أساس حل الدولتين.

أما من الجانب الإسرائيلي، فإن دولة الاحتلال تعمل على توسيع احتلالها عبر المستوطنات وتهويد المدن الفلسطينية، وخاصة القدس، ولا تعترف إلا بالقدس كاملة، الشرقية والغربية، عاصمة لها، دون الاكتراث لقرارات مجلس الأمن والمجتمع الدولي والاتفاقيات ذات الصلة.

تهويد القدس
أقدمت إسرائيل بعد قيامها عام 1948، على تدمير معظم القرى الفلسطينية الواقعة غرب القدس مثل: المالحة ودير ياسين وعين كارم والقسطل. وأقامت مكانها العديد من المستوطنات التي أصبحت تشكل فيما بعد مناطق القدس الغربية.



وبعد حرب 1967 بين الاحتلال الإسرائيلي والجيوش العربية، سيطر الاحتلال الإسرائيلي على مدينة القدس بشطريها الغربي والشرقي، وجعل منها جزءاً من دولته المزعومة بحكم الأمر الواقع، على الرغم من معارضة المجتمع الدولي.
 
ثم أقامت إسرائيل العديد من المستوطنات، وقامت بضم مستوطنات قديمة أخرى خارج حدود بلدية القدس مثل مستوطنة عطروت ورامات أشكول وهماطوس وبيسغات زئيف ومستوطنات أخرى، كما بنت جدار الفصل عام 2002، والذي عزل العديد من البلدات العربية عن القدس، مثل: العيزرية وأبو ديس والرام وعناتا والسواحرة الشرقية وقلنديا، والتي من المفترض أن تشكل الامتداد الطبيعي لتوسع الأحياء العربية في المدينة مستقبلاً، والذي تحاول إسرائيل منعه.
  
احتلال القدس الشرقية
القدس مسألة محورية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث ينظر المجتمع الدولي إلى القدس الشرقية على أنها منطقة متنازع عليها ويدعو بين الحين والآخر إلى حل هذه القضية عن طريق إجراء مفاوضات سلميّة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ويطالب الفلسطينيون، بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية، منذ أن احتلها الإسرائيليون عام 1967.



وبدأت الأزمة بالتفاقم حول القدس، منذ أقدم الكنيست الإسرائيلي في 31 يوليو (حزيران) 1980، على إقرار "قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل"، الذي جعل إعلان القدس، بالحدود التي رسمتها الحكومة الإسرائيلية عام 1967، مبدأ دستورياً في القانون الإسرائيلي.

ما دفع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إصدار القرار رقم 478 بتاريخ 20 أغسطس (آب) سنة 1980، الذي نص على أن قانون الأساس الذي أصدرته إسرائيل واعتبرت فيه القدس عاصمة أبدية لها، قانوناً فاسداً وباطلاً وينبغي إلغاؤه فوراً، كما أكد المجلس على أن تقوم الدول الأعضاء بسحب هيئاتها الدبلوماسية من القدس حتى ترضخ إسرائيل للقرار الدولي.

وظلت تلك الخطوة الإسرائيلية موضع جدل أقيمت على إثره جميع السفارات الدولية خارج القدس، ومعظمها تنتقلت تل أبيب، بسبب عدم الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل. ويشار إلى أن معظم الإدارات الحكومية الإسرائيلية، تقع في القدس الغربية، وهي تشمل: الكنيست الإسرائيلي ومقر رئيس الوزراء ومقر رئيس الدولة، إضافة إلى المحكمة الإسرائيلية العليا.

القرار الأمريكي
ثم وفي سنة 1995، جاء قرار الكونغرس الأمريكي بنقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إلا أن بيل كلنتون، الرئيس الأمريكي آنذاك، استمر بتأجيل التوقيع على القرار إلى أن انتهت ولايته.

وخلفه الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، والذي قال إن قرارات الكونغرس المتعلقة بوضع القدس ليست إلزامية والهدف منها إبداء النصح والمشورة فقط، وظلت السفارة الأمريكية موجودة في تل أبيب، حتى إعلان الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الأربعاء الماضي.



وجاء قرار ترامب مغايراً للموقف الأمريكي منذ عقود فيما يتعلق بالقدس، أو حتى موقفه من اتفاق السلام وفكرة حل الدولتين، وبحسب الرد الفلسطيني الرسمي على إعلان ترامب، تكون أمريكا بموجب قرارها انسحبت من كونها راعية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

أهمية القدس الدينية
القدس هي المرآة التي عكست حضارة الشعوب على مر العصور، وبمثابة الروح بالنسبة للديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، ولذلك كسبت مكانة مقدسة عند أغلبية العالم، كما أن المدينة القديمة في القدس تضم عدداً من المعالم الدينية ذات الأهمية العظيمة، مثل: كنيسة القيامة وحائط البراق، والمسجد الأقصى المكون من معالم إسلامية مقدسة أهمها قبة الصخرة والمسجد القبلي.

اليهودية: وينص التوراة بحسب الديانة اليهودية، على أن قدسية مدينة القدس تعود إلى أنه فتحها النبي والملك داود، ثم قام ابنه سليمان، ببناء أول هيكل فيها والذي يسموه اليهود "هيكل سليمان".


حائط البراق (المبكى بالتسمية اليهودية)

المسيحية: ويرى المسيحيون القدس موقعاً مقدساً، وفقاً لما جاء في العهد الجديد من الكتاب المقدس، بأن يسوع المسيح صلب على إحدى تلالها المسماة "جلجثة"، حوالي سنة 30 للميلاد، وبعد أن عثرت القديسة هيلانة على الصليب الذي عُلق عليه بداخل المدينة بعد حوالي 300 سنة.


كنيسة القيامة

الإسلام: أما في الإسلام، فإن القدس هي ثالث أقدس المدن بعد مكة والمدينة المنورة، لأنها أولى القبلتين، حيث كان المسلمون يتوجهون إليها في صلاتهم بعد أن فرضت عليهم، كما أن النبي محمد (ص)، عرج إلى السماء من مدينة القدس.


الجامع القبلي

جغرافيا القدس
تقع مدينة القدس في وسط فلسطين تقريباً شرق البحر المتوسط، على رعن هضبة من هضاب جبال الخليل، التي تضم عدداً من الجبال بدورها، وهي: جبل الزيتون أو جبل الطور شرق المدينة، وجبل المشارف أو جبل المشهد ويقع إلى الشمال الغربي للمدينة، وأقيمت فوقه مستشفى هداسا الجامعي في سنة 1939، إضافة إلى جبل صهيون ويقع إلى الجنوب الغربي وتكوّن البلدة القديمة جزءاً كبيراً منه وتمر أسوارها من فوقه، وجبل المكبر الذي سمي بهذا الاسم عندما دخل عمر بن الخطاب القدس وكبر على متنه، وكذلك جبل النبي صمويل وجبل أبو غنيم. ترتفع القدس عن سطح البحر المتوسط نحو 750 متراً وعن سطح البحر الميت نحو 1150 متراً، كما أن في القدس ثلاثة أودية تحيط بها وهي: وادي سلوان أو وادي جهنم واسمه القديم "وادي قدرون"، ووادي الواد ووادي الجوز، إضافة إلى نبع أم الدرج. 

ورغم القرار الأمريكي الأخير بحق القدس والفلسطينيين، تبقى القدس قضية العرب والمسلمين الأولى، تحتفظ بقوميتها ومكانتها الدينية والعربية.
T+ T T-