الأربعاء 15 أغسطس 2018

مركزية القدس في سياسة وخيال الإسرائيليين..!!

القدس وتل أبيب (أرشيف)
القدس وتل أبيب (أرشيف)
تحظى مدينة القدس بمكانة مركزية في الخطاب السياسي السائد في إسرائيل، هذه الأيام. ويتكلّم الساسة الإسرائيليون عن المدينة بوصفها عاصمتهم الأبدية. ومع ذلك، لم تكن الأمور، دائماً، على هذا النحو، لا في تاريخ الحركة الصهيونية، الذي سبق قيام الدولة بقرابة نصف قرن من الزمان، ولا في العقود الأولى بعد قيامها.

إنشاء المستوطنين الصهاينة لمدينة تل أبيب نفسها، في أوائل عقود القرن العشرين، كان تعبيراً، في جانب كبير منه، عن محاولة لإنشاء مدينة تُمثّل اليهودي الجديد، يُراد لها أن تكون نموذجاً مضاداً للقدس القديمة، على غرار اليهودي الجديد، الذي ينبغي أن يكون نموذجاً مضاداً لليهودي القديم
فالصهيونية بوصفها أيديولوجيا قومية، ومشروعاً سياسياً يستهدف إنشاء دولة لليهود، في فلسطين، لم تبد تحفّظات جدية إزاء رمزية القدس الدينية في المخيال التاريخي اليهودي وحسب، بل وحاولت النيل منها، والتقليل من شأنها، أيضاً، بوصفها جزءاً من الماضي الذي ينبغي الخروج منه، وعليه، على طريق تحرير اليهود من الديانة اليهودية نفسها.

كان أغلب آباء الصهيونية الأوائل علمانيين، ومعادين للديانة اليهودية، التي نظرت إلى وجود اليهود في الدياسبورا (المنفى) بوصفه جزءاً من خطة إلهية، لا ينبغي التساؤل عنها، أو التدخّل فيها، بل انتظار قدوم المُخلّص في نهاية الأيام.

لذلك، كان رفض الصهاينة الأوائل لليهودية جزءاً مما يعرف في الأدبيات الصهيونية بنفي المنفى، الذي كانت تلك اليهودية عنوانه الرئيس. ولذلك، أيضاً، برر بعض الحاخامات التحاقهم بالمشروع الصهيوني استناداً إلى مرافعات لاهوتية معقّدة خلاصتها تعجيل قدوم المُخلّص، دون التدخّل في الخطة الإلهية الأصلية.

على خلفية كهذه يمكن فهم ما أبداه أغلب رجال الدين اليهود، في مناطق مختلفة من العالم، من عداء حقيقي للصهيونية، وحقيقة أن هذا العداء فقد مناعته، وجدواه، بعد وقوع كارثة الهولوكوست، في الحرب العالمية الثانية، التي كان من نتائجها، أيضاً، تبديد والقضاء على المجتمعات اليهودية التقليدية في أوروبا الشرقية والوسطى. ومع ذلك، يمكن العثور على تجليات متأخرة للعداء القديم في الأحزاب الدينية القائمة، حالياً في إسرائيل، التي نشأت في بيئة أوروبا الشرقية والوسطى قبل قيام الدولة.

بعض تلك الأحزاب لا يعترف بالدولة الصهيونية، حتى اليوم، ولكنه يتعايش معها، ويبتزها للحصول على منافع اقتصادية واجتماعية. وفي هذا ما يُفسّر جانباً من العداء السافر بين العلمانيين والمتدينين في إسرائيل. وفي البيئة الإسرائيلية لهذه الأحزاب نشأ معسكر اليمين القومي الديني الجديد، الذي أصبحت له اليد الطولى الآن.

المهم، وبقدر ما يتعلّق الأمر بموضوعنا، أن إنشاء المستوطنين الصهاينة لمدينة تل أبيب نفسها، في أوائل عقود القرن العشرين، كان تعبيراً، في جانب كبير منه، عن محاولة لإنشاء مدينة تُمثّل اليهودي الجديد، يُراد لها أن تكون نموذجاً مضاداً للقدس القديمة، على غرار اليهودي الجديد، الذي ينبغي أن يكون نموذجاً مضاداً لليهودي القديم.

وقد نشأت، في الحقلين السياسي والثقافي اليهوديين في فلسطين، قبل قيام الدولة الإسرائيلية، وبعد قيامها، تجليات لا تحصى للفرق بين المدينتين. فتل أبيب، في تلك السجالات، مدينة بحرية مُشمسة، شوارعها عريضة، يقطنها يهود أصحاء العقل والبدن، ينفقون أيامهم تحت الشمس، أما القدس فمدينة كئيبة مُعتمة، في بيئة جبلية مُغلقة، شوارعها عبارة عن أزقة ضيّقة، ويقطنها يهود من بقايا المنفى في العالم القديم، أبدانهم عليلة، وعيونهم كليلة، ينفقون أيامهم في دراسة كتب دينية غير مجدية.

لذلك، منذ قيام الدولة، وحتى العام 1967، لم تكن للقدس، مقارنة بتل أبيب، مكانة مركزية في خطاب الأدب والسياسة الإسرائيليين، على حد سواء. ولكن النصر الساحق، الذي حققه الإسرائيليون في ذلك العام، ونجاحهم في احتلال القدس الشرقية، التي تضم الكثير من بقايا مُفترضة للزمن التوراتي، كان بداية التحوّلات الجديدة، والراديكالية، في مكان ومكانة القدس الرمزية، التي يجري الكلام عنها في الوقت الحاضر.

وعلى الرغم من النشوة الميسيائية التي اجتاحت الإسرائيليين في ذلك العام، وتتويجها بإعلان ضم المدينة، إلا أن التحوّلات المعنية احتاجت عشر سنين إضافية لتبدو في الصورة التي نراها عليها الآن. والمقصود، هنا، وصول مناحيم بيغين، زعيم حزب حيروت اليميني إلى السلطة في العام 1977، حيث شهد ذلك العام الولادة الفعلية للهولوكوست، والقدس، كمكونين أساسيين لهوية اليهودي الإسرائيلي، والدولة الإسرائيلية نفسها. وكل ما حدث منذ ذلك التاريخ يتمثل في تكريس وتعزيز المكونين المذكورين، ورفعهما إلى مرتبة المُقدّس.

بمعنى آخر، وُلدت مركزية القدس في الخطاب السياسي الإسرائيلي على دفعات، وعكست في جانب منها ما طرأ على الأيديولوجيا الصهيونية نفسها من تحوّلات فرضتها وقائع اجتماعية وسياسية، وموازين قوى واقعية على الأرض، لا تنسجم، بالضرورة، مع تصوّرات سابقة في النص الصهيوني المُؤسِس، ولا تنسجم مع مزاعم إسرائيلية راهنة ترفع القدس إلى مرتبة المُقدّس، وكأنها كانت دائماً هناك. وفي الأدب الإسرائيلي شواهد كثيرة تستدعي معالجات لاحقة.
T+ T T-