السبت 18 أغسطس 2018

"الاغتصاب" من القدس إلى "الصرخة المكتومة"

امرأة تدلي بشهادتها في وثائقي "الصرخة المكتومة"(أرشيف)
امرأة تدلي بشهادتها في وثائقي "الصرخة المكتومة"(أرشيف)
ما تستدعيه الذاكرة والواقع بعد مشاهدة فيلم "الصرخة المكتومة" أكثر مما يقوله الفيلم، فصرخة المغتصبات لم تصل إلى ضمير وأذني الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، حتى قال إن النظام الأسدي سيكون على الطاولة ويجب التحدث معه لأنه انتصر. لا يخفف من وقع كلام ماكرون تبريره أن ذلك النظام انتصر بقوة داعميه الروس والإيرانيين.

في الإعلام الغربي، أثَّرت صورة "أبو صقار" الفاشية وهو يأكل قلب قتيل من جيش النظام في تسويد صفحة الثورة أكثر مما أثرت صور قيصر في تسويد صفحة النظام
ويستدعي الفيلم أيضاً صور الثورة السورية خلال ما يقرب من سبع سنوات، من إذلال المتظاهرين المدنيين ودوس أجسادهم على إيقاع "بدكن حرية"، إلى تخليل الأجساد بالسكاكين بعشرات الطعنات الحاقدة، إلى البراميل المتفجرة، وقصف المدن بالطائرات والمدافع والدبابات، إلى 55 ألف صورة نشرها "قيصر" توثيقاً لقتل النظام الأسدي 11 ألف معتقل في أول ثلاث سنوات من الثورة فقط.

في الإعلام الغربي، أثَّرت صورة "أبو صقار" الفاشية وهو يأكل قلب قتيل من جيش النظام في تسويد صفحة الثورة أكثر مما أثرت صور قيصر في تسويد صفحة النظام، بحيث لا ينافس "أبو صقار" سوى أفلام إعدام داعش صحفيين غربيين ويابانيين، وحرق الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، مطلع عام 2015.

والحديث عن الإعلام الغربي، وميل الصحفيين "اليساريين" الأوروبيين إلى تفضيل "النظام العلماني الأسدي" على ما يمكن أن يمثله الإسلامويون في مستقبل سوريا حديث يطول، لكنه في النتيجة يشبه تماماً ما قالته الأكثرية السورية الصامتة عن تفضيلها شيطان النظام على شيطان داعش والإسلامويين.

واليوم، وبعد "الصرخة"، نحن أمام حالة أكبر من مجرد قضية سياسية، أو خلاف بين طرفين سياسيين. والخشية أن يتم تناسي هذه الجريمة الموثقة مثلما تم تأجيل المحاسبة عن كل جرائم النظام غير القابلة للتقادم، حيث ظل صداها خافتاً في أذن العالم الغربي، فـ"الصرخة المكتومة" لم تصل إلا إلى آذان بعض السوريين، وقليل غيرهم، بدافع الفهم الشرقي والإسلامي للجريمة، وليس الفهم السياسي لها، ففي عريضة يمكن أن تُرفع إلى الرئيس الفرنسي، ومنشورة للتوقيع على موقع (change.org)، وقَّع فقط حوالي 80 ألف شخص خلال أيام، دون أمل كبير في وصول أثر الصرخة إلى أبعد مما جرى أثناء عرض الفيلم التلفزيوني، والأيام التي تم فيها تداول الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من أن عدد السوريين وحدهم على فيسبوك أكثر بكثير من عشرة أضعاف هذا العدد الذي يمارس فقط أضعف الإيمان.

الأكثر إحباطاً بعد الصرخة كان متابعة ردود أفعال سوريين يلومون النساء ضحايا الاغتصاب على "فضح" أنفسهن، خاصة ممن أظهرن وجوههن في الفيلم، خلافاً للمتوقع إن كان هؤلاء لا يزالون يؤمنون بالثورة، ويتفهمون أن دعم الضحية جزء من الثورة على النظام الأسدي.

هذا إن كانوا يدركون أن النظام يتعدى الرئاسة وكواليسها في فروع المخابرات السبعة عشر الصامدة في مواقعها بفعل فهم بعض السوريين أن نهاية مطاف الثورة هو استبدال رئيس برئيس آخر كما يحدث في الدول الطبيعية.

وفي سوريا، لم يصادف هذا الأسبوع وجود قضية أخرى أكثر وجعاً من الفيلم، لكن خبر اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" قد يكون وزع مشاعر السوريين والعرب بين الجريمتين، على الرغم من أن القدس مغتصبة منذ أكثر من خمسين عاماً!

أما أثر ما نفعله نحن السوريين في الفضاء الافتراضي، وهو فضاء مغلق على مجموعة أصدقائنا الافتراضيين غالباً، فلا يتعدى أننا نخاطب أنفسنا، تماماً كما فعلنا في كل قضايانا الإنسانية والوطنية والعالمية، مع ما يعنيه ذلك من تسيد الخطاب الانسحابي مقارنة ما سبق من عصور ما قبل "كسل التلفزيون"، و"كسل الإنترنت"، عندما كان الضمير العام يدفع الناس للنزول إلى الشارع لإيصال صوتهم بحضور أجسادهم وأصواتهم فيزيائياً، وليس التعويض عن الظهور العلني بتدوينات سريعة قد لا تصل.

من "المومس العمياء"، التي لم يتلوث "منها" سوى اللحم الفاني، عند السياب، إلى صرخة السوريات غير المكتومة بعد اليوم، بالترابط الاجتماعي السياسي بين الصورتين، يكتب "الشاوي الضليل"، خلف المحمد، على صفحته في فيسبوك: جلست المرأة على رصيف كنيسة البشارة ومسحت عرقها المتصبب بملفعها (غطاء الرأس). حملت علبة السمنة بقرف وهمت بالنهوض، والتقت نظراتها بنظرات رجل مهيب في ملبسه وشكله كان يقف أمامها. ابتسمت بامتعاض ونهضت ولم تغض بصرها عن وجهه، بل حدقت بتحد في عينيه. أشاح الرجل ناظريه جانباً وقال بخجل: "تبيعيني السمنة ؟". قالت: "غالية وما تكدر على حكها (ثمنها)!!". قال: "أكدر.. بس أنت كولي شكد (كم)؟". قالت: شايف هالصافين على دور المؤسسة؟ قال: أي شبيهم؟ فقالت: "چليت (أكلت) بعص ولز بقد عددهم.. وانت شوف شكد حكهن.. وإذا تقدر عليه، إحسب زادين (أيضاً) شكد لازم أربح؟

يشرح الشاوي الضليل: المرأة والرجل يعرفهما الكثير من أبناء الرقة.

الاغتصاب السياسي في سوريا ليس جديداً سوى في الفيلم، وليس جديداً كونه يعود إلى زمن أبعد بكثير من سنوات الثورة، وليس جديداً كون مظفر النواب نبَّه إلى بداية الاغتصاب بعد قدس عام 1967 في قصيدة سيئة أدبياً، حقيقية في استعاراتها السياسية.

الجديد المأمول أن يتم ضم الفيلم كوثيقة إضافية تقود المجرمين والمتسببين فيها إلى عدالة لا تُسقط الجريمة مهما تقادم زمنها، والمأمول أيضاً أن يُنظر إلى مثل هذا الاغتصاب كجريمة سياسية ارتكبها النظام الأسدي، وليس مجرد أفراد، تماماً كما يجب النظر إلى القدس كلها، وفلسطين، كـ"مسجد أقصى"، كي لا يكون التنازع هناك على مجرد "هيكل" عندهم، و"مسجد" عندنا.
T+ T T-