الخميس 21 يونيو 2018

مصر تسعى للسيطرة على الزيادة السكانية بعد تجاوزها الـ100 مليون نسمة

(أرشيف)
(أرشيف)
يؤكد علي عبد العزيز المتحدر من صعيد مصر والذي يعمل خفيراً لبناية في القاهرة، أنه غير مقتنع بدعوات تنظيم الأسرة التي تروج لها الحكومات المصرية المتعاقبة منذ عقود، لأن "الأبناء عزوة والرزق يأتي من عند الله فهو من يمنح وهو من يأخذ".

ولعبد العزيز 10 أولاد، وهو يقيم بمفرده في القاهرة، بينما تعيش زوجته مع أبنائه في قريته الواقعة بالقرب من مدينة ملوي بمحافظة المنيا حيث الحياة "كلفتها أقل بكثير ومختلفة عن حياة القاهرة"، بحسب قوله.

ويضيف: "نحن نعيش في حدود قدراتنا المالية ولسنا معتادين على أكل اللحم والخضروات كل يوم مثل أهل القاهرة، وإنما نأكل اللحوم مرة واحدة أسبوعياً".

ويتابع: "الأبناء حماية، فهم من يتولون رعاية أهلهم مادياً وصحياً عندما يكبرون في السن".

لكن مشكلة الزيادة السكانية في مصر تكاد تشكل قنبلة موقوتة مع تجاوز عدد المواطنين المئة مليون، ليصل الى"104,2 ملايين، منهم 94,8 مليوناً بالداخل و9,4 ملايين بالخارج"، بحسب ما أعلن رسمياً في سبتمبر (أيلول).

وبحسب تقرير للأمم المتحدة صدر في مايو (أيار) 2017، سيصل عدد سكان مصر في 2030 إلى 119 مليوناً، وبما أن 95% من البلاد ذات طبيعة صحراوية، تتركز الكثافة السكانية تالياً على ضفاف نهر النيل.

وفي 2016، وصلت الكثافة السكانية في العاصمة المصرية إلى 50 ألفاً في الكيلومتر المربع الواحد تقريباً، وبلغ عدد السكان فيها نحو 20 مليوناً.

الفقير يأتي بفقير
ويصف رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء اللواء أبو بكر الجندي معدلات الزيادة السكانية في مصر بأنها "كارثة"، مشيراً إلى أن "عدد المواليد يزيد عن مليونين و600 ألف كل عام".

ويضيف: "المشكلة أنه ليس هناك وعي في المجتمع بأننا أمام مصيبة".

ويتابع أن معدل نمو السكان يزداد دائماً بين الأفقر، مشيراً إلى أن "نسبة الفقر في مصر تبلغ 27,8% وتزيد عن 50% في بعض مناطق الصعيد".

ويتابع: "كلما زاد الفقر زاد معدل الإنجاب لأن الآباء يعتبرون الأبناء مصدر دخل وليس بنداً للانفاق"، إذ يلقون بالأبناء منذ الصغر في سوق العمل، مضيفاً "هكذا فإن الفقير يأتي بفقير وتستمر الدائرة المفرغة".

ووصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مشكلة الزيادة السكانية بأنها "تحد بنفس خطورة الإرهاب".

وليست هذه المشكلة جديدة في مصر، البلد العربي الأكبر ديموغرافياً، إذ بدأت منذ سبعينات القرن الماضي مع تزايد معدلات النمو السكاني ما دفع المصريين إلى اطلاق اسم "الصين الشعبية" على أحياء مثل بولاق الدكرور المكتظ بالسكان في الجيزة، حيث المباني السكنية متلاصقة بينما يسير المارة والسيارات وراكبو الدراجات البخارية والتوك توك جنباً إلى جنب في الطريق العام وسط اكشاك بيع الفاكهة والخضروات والحلويات والمرطبات وجميع أنواع البضائع.

وتتبنى الحكومة المصرية شعار "2 كفاية" في إطار حملة لتنظيم الأسرة، وتسهم حملات التوعية إلى حد ما في تراجع عدد الولادات، ولكن ليس بشكل كاف.

ارتفاع الوعي
في مركز تنظيم الأسرة في قرية أم خنان في محافظة الجيزة، تدافع هيام محمد بقوة عن قرارها الاكتفاء بثلاثة أطفال، "لا أريد لأبنائي أن يشعروا بالحرمان".

واعتادت هيام وهي ربة اسرة في الثانية والثلاثين، شأنها في ذلك شأن الكثير من السيدات الأخريات في القرية، التردد على المركز مرة كل شهر للحصول على أقراص لمنع الحمل تقدمها وزارة الصحة مجاناً.

وتقول: "لدي 3 أطفال وسأكتفي بهم حتى أستطيع أن أوفر لهم حياة جيدة، فالتعليم أصبح مكلفاً، والحياة أصبحت صعبة مع ارتفاع الأسعار، ولو أنني أنجبت 5 أو 6 أطفال، فلن أتمكن حتى من توفير الغذاء لهم".

وتعبر مديرة مركز تنظيم الأسرة في المركز الطبيبة فردوس حامد عن ارتياحها لأن "درجة الوعي بين الأهالي هنا مرتفعة".

وتقول إن الأقبال يزداد على وسائل منع الحمل بسبب الظروف الاقتصادية، في إشارة إلى موجة الغلاء التي شهدتها مصر منذ تحرير سعر صرف العملة الوطنية قبل عام ما أدى إلى ارتفاع التضخم ليصل معدله السنوي الى 33,26 % في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتعتقد أستاذة أمراض النساء في كلية طب القصر العيني منى أبو الغار، أن زيادة معدل المواليد يرجع الى "إهمال القيادة السياسية للموضوع منذ منتصف العقد الماضي".

وتقول: "المشكلة يجب أن تؤخذ بجدية أكبر ولا بد من حملات إعلامية مستمرة في الإذاعة والتلفزيون للتوعية بأهمية تنظيم الأسرة، لكي تستطيع الدولة توفير الخدمات للناس".

وتشدد على أهمية رعاية المسؤولين لهذه الحملة، وكذلك الأزهر "لدحض الفتاوى الدينية التي تفيد بأن تنظيم الأسرة مخالف لتعاليم الإسلام".

ولا يتردد الأزهر في دعم الحملات الحكومية في هذا المجال.

وقال وكيل الأزهر عباس شومان أخيراً إن "هناك مفاهيم مغلوطة حول القضية السكانية"، لافتاً إلى أن "الزيادة السكانية عبء على موارد الدولة وانطلاقها للتنمية"، وأكد "أن تنظيم الأسرة حلال وليس حراماً".

انتحار جماعي
ويحذر رئيس مركز "بصيرة" لاستطلاعات الرأي ماجد عثمان الخبير في المشكلة السكانية، من أن استمرار معدل الزيادة السكانية الراهن هو بمثابة "انتحار جماعي".

ولكن اللواء الجندي يؤكد أن "أجهزة الدولة المختلفة بدأت في وضع البعد السكاني في اعتبارها"، مشيراً إلى أن "الدعم النقدي الذي تقدمه وزارة التموين للفقراء بات مقصوراً على 4 أفراد فقط في كل أسرة".

ويضيف: "كذلك الدعم النقدي الذي تقدمه وزارة التضامن الاجتماعي أصبح مربوطاً ببقاء الأطفال في التعليم وعدم خروجهم من المدارس".
T+ T T-