الأحد 27 مايو 2018

"الصهاينة العرب"!

مدينة القدس.(أرشيف)
مدينة القدس.(أرشيف)


اليوم وبعد هذه المعركة الضارية، معركة القدس، والتي باتت طبيعتها فكرية وتاريخية ودينية وتراجعت فيها الطبيعة العسكرية، علينا أن نحاصر الفكر الصهيوني في هذه المعركة، وتحديداً من الجهلة من المسؤولين العرب أو بعض الكتاب
فضح قرار دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشرقية والاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لدولة الاحتلال، حقيقة مواقف أغلبية الدول والشعوب من القدس ومن حقوق الشعب الفلسطيني كما فضح القرار حقيقة التغلغل الصهيوني في البنية النفسية والذهنية لبعض المواطنين العرب، وهو تغلغل نجح وباقتدار بعد أكثر من عقدين على إهمال منظومة التعليم العربية في المدارس والكليات والجامعات التركيز والاهتمام بالقضية الفلسطينية وفضح المنطق الصهيوني وبخاصة التاريخي منه المتعلق بالقدس وتاريخ هذه المدينة وأهميتها، حيث سمح هذا الإهمال بالتعامل مع قضية العرب الأولى على أنها قضية "باردة" لا تمثل أولوية لدى الحكومات والشعوب العربية وتحديداً بعد عهد أوسلو وبخاصة في الفترة التي تلت وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي كان يعطي للقضية حضوراً استثنائياً في كل الأبعاد.

أذكر أن كتب التاريخ قبل ما يسمى بعملية السلام كانت تركز بدقة على طبيعة الصراع مع إسرائيل وكانت تُحصن من الناحية العملية طلاب العلم وفي كل مراحله ومستوياته ضد "الغزو الفكري والثقافي" الذي كان يهدف إلى تزييف الحقائق، واليوم نجد أن كتب التاريخ باتت مجرد عناوين عابرة على مراحل ليست لها قيمة في تاريخنا البعيد ولا في تاريخنا الحاضر، أي بمعنى أن هناك نهجاً خطيراً بدا منذ الألفية الجديدة وربما قبلها بسنوات هدفه "تجهيل أجيال كاملة" بحاضرها وتاريخها ومستقبلها.

نجح الغزو الفكري والثقافي في تحويل أجيال من شبابنا إلى "جهلة غير مكترثين" بما يدور حولهم من أحداث وتطورات دموية منعزلين عن هموم شعوبهم وأمتهم وملتصقين في الوقت ذاته "بالعالم الافتراضي" الذي أوجده الانترنت وتطبيقاته المختلفة، وهو عامل آخر زاد من ذلك "الاغتراب الثقافي والفكري" لجيل الشباب العربي كما نجح وبكل أسف في تحويل بعض ممن يتصدرون المشهد السياسي الرسمي أو الشعبي إلى حالة مضحكة جديرة بالازدراء بسبب جهلهم وبسبب "تلوثهم الفكري" .

لقد سمعت أحدهم يقول وبكل ثقة أن القدس لم تكن يوماً عربية – فلسطينية وإن ما قرأه من التاريخ حول المدينة المقدسة يشير بوضوح إلى أن المدينة هي مدينة يهودية !!

من الواضح أن هذا الرجل الذي تحدث بصفته باحثاً في التاريخ لا يريد الانتقاص من الحق الفلسطيني ولكن ثقافته رغم حصوله على الدكتوراه في التاريخ هي "ثقافة ملغومة" ، "مشوشة" يتحدث بها بكل ثقة وهو لا يعلم أنه بات بوقاً للدعاية الصهيونية بشأن القدس، هذا الشخص وغيره باتوا "منابر" للدعاية الصهيونية بعلم أو بغير علم بشأن القدس وغيرها من القضايا التي تتفرع عن الصراع الفلسطيني – الصهيوني .

إن من أبرز المعلومات البديهية التي كانت تُدرس في جامعة بغداد حيث درست، أن تاريخ مدينة القدس يرجع إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، وهي بذلك تعد واحدة من أقدم مدن العالم.

وتدل الأسماء الكثيرة التي أطلقت عليها على عمق هذا التاريخ، وقد أطلقت عليها الشعوب والأمم التي استوطنتها أسماء مختلفة، فالكنعانيون الذين هاجروا إليها من شبه الجزيرة العربية في الألف الثالثة قبل الميلاد أسموها "أورشاليم" وتعني مدينة السلام أو مدينة الإله ساليم واشتقت من هذه التسمية كلمة "أورشليم" التي تنطق بالعبرية "يروشاليم" ومعناها البيت المقدس، وهو ما يدحض المنطق الصهيوني القائل إن أورشليم هو كلمة "عبرانية"، وهناك مؤرخ مهم وهو يهودي الديانة وعراقي الجنسية هو الدكتور أحمد سوسة يقول في كتابه الشهير ( العرب واليهود في التاريخ ) توصل إلى حقيقة مذهلة وصادمة بحكم يهوديته وبحكم أنه عالم آثار، توصل إلى أن أصل اللغة العبرية هي لغة كنعانية عربية وإن ما يتكلم به الإسرائيليون هي لغة عربية كنعانية الأصل، وان التشابه بالألفاظ والمصطلحات وبمخارج الحروف يثبت أن الكنعانية هي أصل العبرية، وأن الصهيونية العالمية ابتكرت مع بداية القرن العشرين ما يسمى باللغة العبرية عبر أكبر عملية تزوير للثقافة وللمكان واللغة .

دام حكم اليهود للقدس 73 عاماً فقط طوال تاريخها الذي امتد لأكثر من خمسة آلاف سنة، فقد استطاع الملك داود السيطرة على المدينة في عام 977 ق. م وسماها مدينة داود وشيد بها قصراً وعدة حصون ودام حكمه 40 عاماً، ثم خلفه من بعده ولده سليمان الذي حكمها 33 عاماً.

وبعد وفاة الملك سليمان انقسمت الدولة في عهد ابنه رحبعام وأصبحت المدينة تسمى "أورشليم" وهو اسم مشتق من الاسم العربي الكنعاني شاليم أو ساليم الذي أشارت إليه التوراة.

اليوم وبعد هذه المعركة الضارية، معركة القدس، والتي باتت طبيعتها فكرية وتاريخية ودينية وتراجعت فيها الطبيعة العسكرية، علينا أن نحاصر الفكر الصهيوني في هذه المعركة، وتحديداً من الجهلة من المسؤولين العرب أو بعض الكتاب.

علينا الاعتراف بأنه بات لدينا صهاينة "عرب" من مسؤولين وإعلاميين وممن يلقبون أنفسهم مفكرين ورجال دين بعد أن تشبعوا بالمنطق والثقافة الصهيونية وحتى المصطلحات واللغة.
T+ T T-