الجمعة 25 مايو 2018

الصحوة الترامبية

سيدة مسلمة تلتقط صورة مع ابنها قرب شجرة ميلادية.(أرشيف)
سيدة مسلمة تلتقط صورة مع ابنها قرب شجرة ميلادية.(أرشيف)


السنوات القليلة الماضية تشهد بيننا صحوة معاكسة لما يتبجح به ترامب. إنها على الجانب الآخر صحوة نراجع خلالها كل ما اعتدنا حفظه وترديده دون إعمال العقل فيه
يثني دونالد ترامب على فترة رئاسته القصيرة، إذ يزعم بأن الأمريكيين قد عادوا خلالها لتهنئة بعضهم بعضاً بمولد عيسى بن مريم –عليه السلام-، وهم الذين يخجلون عادة من الافتراض بأن الآخرين يعتنقون المسيحية، فيفضّلون التهنئة "بالأعياد". هكذا ودونما تخصيص.

وكم تمنيت لو أني قد سبقت ترامب إلى إطلاق تغريدة الثناء تلك!

ليس عليه –طبعاً-، ولكن على من جعلوا "ميري كريسماس" تتدحرج على لساني أنا أيضاً بعفوية وتصالح وفرح.

إن السنوات القليلة الماضية تشهد بيننا صحوة معاكسة لما يتبجح به ترامب. إنها على الجانب الآخر صحوة نراجع خلالها كل ما اعتدنا حفظه وترديده دون إعمال العقل فيه، ونخجل خلالها من الافتراض بأننا الممثلون الحصريون للحق.

ومن آثار هذه الصحوة أن نعود بالذاكرة إلى الوراء، فنعض إصبعاً من الندم هنا، ونشير بأصبع من الاتهام هناك. إننا نسمح لأنفسنا باسترجاع كل تلك المرات التي تم اقتيادنا فيها كالأنعام -أو كنا أضل-، لنقتات على الكراهية والبغضاء والتشنج.

نتحدث اليوم بحنق عن عمنا المتشدد، أو عمتنا المتنطعة، تلك التي لقنتنا بأن كل من لا يماثلنا المعتقد خالد في جهنم. نهز رؤوسنا بأسى على ذكرى معلم مدرسي كان قد أكد لنا أننا مطالبون بقطع رؤوس من ارتدوا عن دينهم. ندعو بالهداية لصديق ربما لم نعد على اتصال به، ولكنه سيظل صاحب الفضل في جرّنا إلى ذلك العالم المظلم، حيث تعاطينا معاً فتاوى تكفير من يخالفنا المذهب والطريقة.

وأنا أتفهّم هذه "الأحقاد". ليس فقط لأني لا زلت أكنّها ضد البعض حتى مع انتصاف العقد الثالث من عمري، ولكن لأنها علامات فارقة تهدف إلى حمايتنا من الوقوع في نفس الحفرة مجدداً.

ولكن في مقابل كل هذه الرايات التحذيرية الحمراء، والتي سيمتد أمامنا العمر بأسره للتلويح بها، ألا رفعنا راية رمزية من العرفان لمن عبّدوا لنا طرقات الحب والتآخي والتعايش؟

هلّموا نعيد شريط الذكريات: هل كان رجل دين مستنيراً يعتلي منبره ليقتبس من الإنجيل بمصداقية واحترام؟ أو مثقفاً ممن جاهدوا التشدد برواياتهم وأشعارهم؟ أو فناناً ممن غنوا تحت شجرة الكريسماس وهلال الفطر معاً؟

أو كانت والدة كأمي التي اعتادت أن تجلب هدية للخادمة في كل عيد ميلاد مجيد؟ أو والداً كأبي الذي برهن لي بأنه لا يتوجس من حضور عقد قران صديقه في الكنيسة؟ أو شقيقة كأختي التي رفعت صوتها على غير العادة لتستنكر وصف طبّاخ آسيوي بـ"النجس"، ثم أصرت على تناول طبخه؟

اطمئنوا، أنا لن أسنّ سنة جديدة بمناسبة حلول الأول من يناير، لأتصنّع الإيجابية وأمثّلها عليكم. ولكن لمرة يتيمة، لنجرّب اقتباس استنارتنا من الضمائر والمواقف المضيئة التي مررنا بها عوضاً عن التزوّد من غضبنا وحرقتنا، فقد نكتشف بأن هذا هو التعبير الأصدق عن كوننا قد مضينا قدماً.
T+ T T-