الخميس 16 أغسطس 2018

الفراغ العربي

أعلام بعض الدول العربية (أرشيف)
أعلام بعض الدول العربية (أرشيف)
قد تكون مقولة أرسطو حول الفراغ الذي تكرهه الطبيعة أول المفاتيح المتاحة وأقصر الطرق لقراءة الخارطة الإقليمية في ظل الواقع العربي وهزائمه المتلاحقة على أكثر من صعيد.

حالة الفراغ العربي التي باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى لم تبدأ اليوم فهي نتاج تراكمات داخلية شهدتها دول المنطقة وتفاعلات بينية وإقليمية بعض محطاتها المنظورة الحرب العراقية ـ الإيرانية والغزو العراقي للكويت وإفرازات حروب أفغانستان
تصلح هذه "المقولة" لتفسير الهوامش التي يتحرك فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رغم تراكم أزماته الداخلية بدءاً بتفاقم علاقاته مع شركائه في الحياة السياسية التركية مروراً بما وصلت إليه علاقته مع الكرد وترنحه بين العثمنة والعلمنة وانكشاف البروباغندا التي يلجأ اليها لتصدير الأزمات والايحاء بحرصة على شعوب الامبراطورية البائدة والمقدسات الاسلامية.

لا تبتعد السياسة الإيرانية في المنطقة عن نظيرتها التركية ومقولة أرسطو حيث استطاعت طهران خلال الأعوام الماضية ـ رغم أزماتها الداخلية المتشعبة بين صراع أجنحة الحكم وتداعيات صعوبة الأوضاع الاقتصادية ونزوع القوميات للاستقلال ـ تجاوز استخدام مناطق نفوذها العربية في تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة إلى البحث عن دور في ترتيب أوضاع المنطقة.

من ناحيتها وضعت إسرائيل مقدمات شوط واسع لتنفيذ استراتيجياتها المعلنة وغير المعلنة بفرض واقع جديد في الضفة الغربية من خلال تسريع وتيرة عمليات التهويد و الاستيطان والحصول على اعتراف أمريكي غير مسبوق بالقدس عاصمة لها.

اللافت للنظر في الحالات الثلاث محاولة هذه القوى الإقليمية تجاهل قدرة العرب على إعاقة سعيها لتعزيز مواقعها على حسابهم في أي ترتيبات مستقبلية وتبنيها تصورات على أساس غيابهم عن المشهد الإقليمي الملتبس ومحاولة فرض وقائع جديدة تحول دون خروجهم من مأزقهم وتغييب احتمالات وقف حالة النزف العربي المستمر منذ سنوات.

حالة الفراغ العربي التي باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى لم تبدأ اليوم فهي نتاج تراكمات داخلية شهدتها دول المنطقة وتفاعلات بينية وإقليمية بعض محطاتها المنظورة الحرب العراقية ـ الإيرانية والغزو العراقي للكويت وإفرازات حروب أفغانستان وموجة الفوضى التي عرفت بالربيع ولم تنته بتهشيم الدولة القطرية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية وبقاء القضية الفلسطينية بلا حلول.

الواضح من مسار الأحداث الإقليمية المؤسسة للواقع الراهن أن غالبية أطرافها وجدت في القضية الفلسطينية مادة لخطابها السياسي فهي قابلة للاختطاف والمزايدة وتبرير المواقف والخصومات وقبول المصالحات في حال فقدان القدرة على الاستمرار في التأزيم.

تلتقي مقدمات الانهيارات العربية ونتائجها وما تنطوي عليه من تحديات وفرص عند نقطتين يصعب تجاهلهما لدى التفكير في إمكانية تجاوز حالة الضعف وسد الفراغ العربي في السباق الإقليمي على ترتيب أوضاع المنطقة تتمثلان في لملمة ما تبقى من أطراف نظام رسمي عربي واستعادة القضية الفلسطينية ـ التي أثبتت مجدداً قدرتها على أن تكون قاسما مشتركاً وعنواناً جامعاً لشعوب المنطقة ـ من بازار المزايدات الاقليمية، لا سيما وأن مؤشرات التوصل الى تسويات ما زالت غائبة عن المشهدين الاقليمي والدولي.
T+ T T-