الأربعاء 21 فبراير 2018

ما الذي حدث في إيران

رجال شرطة إيرانيين يواجهون متظاهرين أمام جامعة طهران.(أرشيف)
رجال شرطة إيرانيين يواجهون متظاهرين أمام جامعة طهران.(أرشيف)


نظام الملالي زائل ولم يعد يملك من مقومات البقاء إلا افتعال الصراع مع دول المنطقة، تماماً مثلما كان أدولف هتلر يهرب من مشاكل ألمانيا الداخلية، بتسيير الجيوش إلى الخارج
بغض النظر عن أهوائنا ورغباتنا، الواقع على الأرض ينطق بهذه الجملة: لم تنجح المظاهرات التي اندلعت في كل أنحاء إيران واستمرت لمدة ستة أيام. قد يُقال إن الوقت مبكر على الحكم، لكن لا بأس في دراسة أهم أسباب هذا الإخفاق المبدئي.

من أهم الأسباب، أنها كانت ثورة بلا زعيم يقودها على الأرض - لا من باريس- وينهض بها من مستوى الاحتجاجات البسيطة كي ترتقي وتناور في حال رفض مطالبها الأساسية، وتنتقل من حل لآخر في مواجهة النظام. السبب الثاني أنه لم يرافق هذه الاحتجاجات إضراب عن العمل والبيع والشراء، بل كانت الأسواق في المدن الكبيرة - وكذا المدن الصغيرة - مفتوحة، والبيع والشراء يتمّان في صورة طبيعية. سبب آخر أدى لهذا الفشل، هو عجز حركة الاحتجاج ومنظّميها عن استقطاب الدعم الضروري الذي كانت تحتاجه من الطبقات القوية في المجتمع، من أمثال طبقة المثقفين والطبقة الوسطى وتجار البازار والطلاب. لهذه الأسباب مجتمعة، انخفض عدد التجمعات بنسبة الثلث بحلول مساء الثلاثاء الماضي.

ويبدو أن عبارات التهديد التي أطلقها المرشد آية الله علي خامنئي في يوم الثلاثاء، كان لها أثر قوي على الشارع. لقد اتهم المرشد "عملاء مخابرات أجنبية" بأنهم زودوا حركة الاحتجاج "بالسلاح والمال والمعلومات" وقد كان هذا اتهاماً ماكراً بلا شك. فقد سرت في حركة الاحتجاج التي تفتقد للقيادة، وسادت مخاوف من الوقوع في جريمة الخيانة والتعاون مع الجهات الاستخباراتية الأجنبية. هذه بلا شك اتهامات كبيرة سيطبق حكم الإعدام بحق من توجّه ضده، ويبدو أن المتظاهرين لم يحسموا أمورهم قبل نزولهم إلى الشارع ولم يتصوروا كل السيناريوهات التي يمكن أن تواجههم. بعد تصريح المرشد، كان هناك تصريح لمسؤول إيراني آخر بأن أي فرد يُقبض عليه وهو يهاجم المباني الحكومية ويضرم النيران سيكون مهدداً بالإعدام الفوري.

ينبغي أن نلاحظ هنا أن إيران تنافس على المركز الأول على مستوى العالم في تنفيذ الإعدامات الجماعية السريعة، وهو أمر اشتهرت به الأجهزة الأمنية الإيرانية، ولم تستعد له الجموع التي لم تُخرجها إلا رغبتها في تحسين الأوضاع المعيشية والحصول على شيء من الإصلاحات الاقتصادية.

أمر آخر فعله النظام وساعده في مواجهة المعضلة، ألا وهو ضبط النفس وإظهار الثقة بالذات، بحيث ترك النظام أفراد حركة الاحتجاج يصلون إلى نقاط تجمعهم في مراكز المدن، لكي يلتقوا هناك بآلاف مؤلفة تشكل تظاهرات من الموالين للنظام، بأعداد تفوق أعدادهم وبتعزيزات من الشرطة تمنع الاشتباكات. لو تورط النظام في إراقة الدماء والقتل الجماعي لاستعرت النار في الهشيم ولما انطفأت.

حجب النظام الإيراني للإنترنت كان له دور، ولهذا رأينا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعا لإعادة خدمة الانستاغرام والتيلغرام اللتين أوقفتا في إيران، إلا أنه قد وجد بعض المستخدمين لهذه البرامج طرقاً لإعادة الخدمة إليها في مناطق كثيرة من البلاد، وهذا يدل على أن قلق النظام في إيران من حركة الاحتجاج قد انخفض كثيراً عن مستواه في الأيام الأولى.

بطبيعة الحال، لم تنته حركة الاحتجاج الإيرانية بعد، وستحاول أن تلم نفسها من جديد، خصوصاً أن مطالبها مشروعة تماماً ومنطقية جداً، فالشعب الإيراني أولى بالمال الإيراني الذي ينفقه النظام على جماعات إرهابية في مختلف البلدان العربية بغرض الهيمنة على تلك البلدان، لا لمصالح اقتصادية في جميع الأحوال، بل لأغراض رسالية عقائدية ستحمّل إيران الكثير من التكاليف ومن شأنها أن تُبقي الشعب الإيراني فقيراً معوزاً للأبد ما دام أن نظامه بهذه الرسالية.

الرياح في إيران لم تعد إسلامية، بل إن البلاد تسير في اتجاه علماني قومي انطوائي لا توسعي، وهذا الاتجاه يكتسب كل يوم دعم شرائح أكبر في طول وعرض البلاد ذات الأعراق المختلفة. كل هذا يقودنا إلى تغليب الظن القائل إن نظام الملالي زائل ولم يعد يملك من مقومات البقاء إلا افتعال الصراع مع دول المنطقة، تماماً مثلما كان أدولف هتلر يهرب من مشاكل ألمانيا الداخلية، بتسيير الجيوش إلى الخارج.

T+ T T-