الخميس 16 أغسطس 2018

العودة إلى "حضن الوطن"!

صورة مركبة للرئيس السوري بشار الأسد ومقاتلين من داعش.(أرشيف)
صورة مركبة للرئيس السوري بشار الأسد ومقاتلين من داعش.(أرشيف)


الخلاصة الأهم، تتجلى في حقيقة أن مَنْ يختزل العالم في لونين هما الأبيض والأسود، ومعسكرين هما الخير والشر، يُفقر مخياله السياسي أولاً، ويطرد منه المرجعية الكونية للأخلاق لتمكين الخير والشر من تبادل الأدوار، كلما اقتضت الحاجة، ثانياً
نرى، من وقت إلى آخر، ناطقين باسم نظام آل الأسد يتكلّمون عن عودة هذه المنطقة، أو تلك، إلى "حضن الوطن"، بما يعني عودتها إلى السلطة المباشرة للنظام. وهذا يدل، في جوانب كثيرة منه، على حقيقة أن الكفة تميل لصالح حكّام دمشق.

ومع ذلك، هل يجوز لأحد الكلام عن "حضن" و"وطن" وخروج منه، وعودة إليه، بعدما أصبح نصف الشعب، تقريباً، لاجئاً داخل سوريا وخارجها، وفقد قرابة نصف مليون من السوريين أرواحهم، وجُرح ضعف هذا العدد، ناهيك عمّا لا يحصى من المباني السكنية المدمّرة، وانهيار الخدمات، والدورة الاقتصادية، وتفتيت النسيج الاجتماعي والديمغرافي للبلاد.
كم بقي من "الحضن"، و"الوطن"؟

ومَنْ هو المالك الفعلي للاثنين، الشعب السوري أم نظام آل الأسد وحلفائه؟ وبقدر ما تبدو الصورة الفعلية هذه الأيام، فإن "ملكية" النظام "للحضن" و"الوطن" معاً، تبدو في المرتبة الثانية، وتكاد تكون رمزية، في حالات كثيرة، إذا ما قورنت بالنفوذ الفعلي للروس والإيرانيين على الأرض.
كل هذا مفهوم ومعلوم.

ولكن ما يستدعي الملاحظة ويُحرّض على التفكير، يتجلى في موقف ما تبقى من بقايا، وشظايا، اليسار العربي، الذي صعد في عقود سبقت، وخبت جذوته، من نظام آل الأسد، والصراع في سوريا وعليها. فهؤلاء أكثر صخباً، حتى من النظام نفسه، في تبني الرواية الوهمية القائلة إن "سوريا الأسد" مُستهدفة لأنها في طليعة معسكر "المقاومة والممانعة"، وأن ثورة السوريين على النظام كانت، في حقيقتها، مؤامرة خارجية.

وإذا غضننا الطرف عن حقيقة أن البعض، كما في حال بعض التنظيمات الفلسطينية، يحتفظ بمكاتب في دمشق، ويريد الحفاظ على وجوده بالمعنى الضيّق للكلمة، فإن آخرين لا يخضعون للشروط نفسها، ويمكنهم صياغة مواقف أكثر موضوعية تكفي لحفظ ماء الوجه بالمعنى السياسي والأيديولوجي على الأقل.

لذا، فلنضع أصحاب المصالح، والحسابات، الضيّقة جانباً، ولنفكّر في أسئلة من نوع: لماذا يعجز البعض عن رؤية الواقع كما هو؟ ولماذا تلعب التصوّرات الأيديولوجية المسبقة دوراً في تعطيل ملكة التحليل والنقد؟

والواقع أن أسئلة كهذه تنفتح على احتمال إجابات كثيرة تمس كل "بنية" اليسار الأيديولوجية في تجلياتها العربية المتأخرة، وفي طليعتها حقيقة أن انقسام وتقسيم العالم إلى معسكرين، وترسيم الحدود بينهما بالأبيض والأسود، لا ينتمي إلى المخيال السياسي بقدر انتمائه إلى مخيال ديني، في الجوهر، ينقسم العالم فيه ما بين خير وشر.

وفي كل انقسام كهذا تنفصل الأخلاق عن مرجعياتها الكونية، العابرة للحدود القومية، والسياسية، لتصبح مجرّد مسوّغ أيديولوجي يتبادل فيه الخير والشر الأدوار. فمَنْ كان معنا، أو كنّا معه، حتى وإن أجرم لا يمكن إلا أن يكون خيراً، ومَنْ كان ضدنا، أو كنّا ضده، لا يمكن إلا أن يكون شراً. لذا، لم تثر التجليات والنزعات السلطوية، الوحشية في حالات بعينها، في بلدان صُنّفت في وقت ما "بالتقدمية"، حساسية خاصة لدى اليساريين طالما لم تكف الأنظمة المعنية عن كيل الشتائم للإمبريالية، وإسرائيل، حتى وإن كان في سلوكها الواقعي على الأرض ما يخالف هذا.
وعلى خلفية كهذه تبدو سوريا وسيلة إيضاح مثالية.

فعلى الرغم من كل الصخب اليساري بشأن المضمون الاجتماعي، والبعد الطبقي، لكل ممارسة سياسية وخطابية، إلا أن إنشاء نظام شمولي، وتحويل سوريا إلى جمهورية وراثية، واحتكار نخبة سائدة بالعنف للسلطة والثروة، ووضع مرجعيات طائفية لآليات الالتحاق بالنخبة المُهيمنة، أو الخروج منها، كلها علامات لم تنل حتى مجرّد التفكير النقدي، أو التساؤل، ولم تُثر قلق أحد، ففي مجرّد وجود نظام، أو جماعة، في معسكر "المقاومة والممانعة" ما يكفي لغفران الذنوب، أو تأويلها بطريقة تحررها من كل عبء أخلاقي وسياسي محتمل.

لذا، وبلا إحساس بالخجل، أو حتى تأنيب الضمير، يتكلّم يساريون في العالم العربي، هذه الأيام، عن عودة منطقة هنا أو هناك في سوريا إلى "حضن الوطن". وفي معرض الرد على المتحفظين على تعبير "الحضن" و"الوطن" يقول هؤلاء: حكم الأسد أم الدواعش؟ وكأن خيارات سوريا والسوريين ضاقت إلى هذا الحد، وكأن كل معارضة لنظام آل الأسد تعني الوقوف في صف الدواعش.

ومع ذلك، فإن الخلاصة الأهم، على صعيد أعلى قليلاً، تتجلى في حقيقة أن مَنْ يختزل العالم في لونين هما الأبيض والأسود، ومعسكرين هما الخير والشر، يُفقر مخياله السياسي أولاً، ويطرد منه المرجعية الكونية للأخلاق لتمكين الخير والشر من تبادل الأدوار، كلما اقتضت الحاجة، ثانياً.

وفي الحالتين تفقد مفردات من نوع "الحضن" و"الوطن" ما لها من دلالات في معاجم اللغة، ولا يبقى في الواقع سوى مشهد الدم، وموت اللغة.  
T+ T T-