الثلاثاء 21 أغسطس 2018

"لا غالب ولا مغلوب" في سوريا بين الإعلام والعسكرة

مدير "المرصد السو ري لحقوق الإنسان" رامي عبدالرحمن.(أرشيف)
مدير "المرصد السو ري لحقوق الإنسان" رامي عبدالرحمن.(أرشيف)


من معالم تردي حالة المعارضات عدم وجود جهة موثوقة مصدرة للأخبار والتقارير من المناطق الساخنة، فكل جهة إعلامية مما يُطلق عليه "الإعلام البديل" مرتبط بالجهة الممولة، ويستخدم مصطلحات معلبة لمصلحة الممول، أو ممالئة لسلطة الأمر الواقع
على الرغم من تقدم النظام وحلفائه في خريطة الحرب على سوريا، وتراجع كل من الفصائل المسلحة المعارضة، وداعش، لا يمكن الحديث اليوم عن نصر نهائي للنظام الأسدي، أو هزيمة نهائية للمعارضة السورية، بشقيها السياسي والعسكري. وحتى بالنظر إلى كل مقومات التشاؤم السائد منذ أكثر من عام، وما يبدو أنه نصر ديبلوماسي روسي على أمريكا، لم تحقق موسكو هدفها من التدخل العسكري، بفرض بقاء النظام الأسدي الذي كافأ موسكو سلفاً بتسليمها الأرض والقواعد والامتيازات العسكرية والاقتصادية.

أكثر من ذلك، يبدو أن اللعبة الأمريكية لم تبدأ بعدُ في سوريا. بالطبع ستكون اللعبة مع موسكو، دون غيرها، فالنظام الأسدي مهزوم في الحسابات الأمريكية. ومن غير المرجح، أن تدخل واشنطن على خط ابتزاز النظام، أو إغرائه، للابتعاد عن حليفه الروسي. والأرجح أن تفاوض واشنطن موسكو على ثمن تخليها عن نظام بشار الأسد، لأن الصدام العسكري بين العاصمتين الغربية والشرقية مستبعد.

ولا نعتمد هنا في تقدير عدم حصول نصر نهائي، أو هزيمة نهائية، على مؤشرات الأسبوعين الأخيرين، بعد إسقاط طائرة للنظام في شرق حماة بما قيل إنه صاروخ حراري مما مُنِع على الفصائل المسلحة الحصول عليه في حربها على النظام؛ كما لا نعتمد على الهجمات على مطار حميميم بطائرات كرتونية مُسيَّرة. فهذه الحوادث فردية، ومنعزلة، ولا تؤشر أن أمريكا سمحت أخيراً بتغيير موازين القوى، ومنحت المعارضة، أو سمحت بمنحها، سلاحاً نوعياً ضد الطائرات يدعم موقفها التفاوضي بالغ الضعف في جنيف، أو أستانة، أو سوتشي.

لكن تلك المعطيات تدل على الشيء وعكسه معاً، بمعنى أن فرص نصر النظام تساوي فرص نصر المعارضة، وفرصة فرض روسيا إرادتها على أمريكا تساوي فرصة منع أمريكا هندسة الحل السوري من قبل روسيا بمفردها.

تبقى بذور هزيمة المعارضة، واتجاه الثورة السورية إلى الكمون فترة لا يعلمها أحد، في انقسامها إلى معارضات، وعدم وجود رأس سياسي، أو عسكري، واحد، لها، وفي عدم وجود أي علاقة بين الأجسام السياسية والعسكرية، حتى في ظل الخطر الماثل في فكرة الهزيمة وذهاب كل الدم المسفوك خلال سبع سنوات دون ثمن.

والأكثر إثارة للتشاؤم هو عدم وجود صلة بين الأجسام السياسية، والعسكرية، من جهة، وبين الناس. فالفصائل العسكرية مارست التسلط على الناس في المناطق التي تحكمها على قلق، حتى في حالات الكر والفر التي حكمت معظم حالات السيطرة على الأرض بين الفصائل المعارضة وقوات النظام وميليشياته الداعمة.

وفي نظرة ما، تتشابه حالات السيطرة للنظام على الأرض مع حالات السيطرة القلقة للفصائل المعارضة على الأرض، من ناحية افتقاد الديمومة، وفي انعدام استمرار حالة حكم مدنية يطمئن لها الناس الذين تمسكوا بأرضهم وبيوتهم، مكرهين أو مختارين، الأمر الذي لا يزال يشيع حالة خوف من الموت والاعتقال والفقر، بل والخوف من الذل الذي يتعرضون له من كل حملة السلاح في مراحل الاستقواء، والاستزلام، والانتقام، حتى من الطرف الذي يؤيده هؤلاء الناس.

ومن معالم تردي حالة المعارضات عدم وجود جهة موثوقة مصدرة للأخبار والتقارير من المناطق الساخنة، فكل جهة إعلامية مما يُطلق عليه "الإعلام البديل" مرتبط بالجهة الممولة، ويستخدم مصطلحات معلبة لمصلحة الممول، أو ممالئة لسلطة الأمر الواقع، كي يضمن هذا الإعلام استمرار التدفق المالي، وتأمين بيئة عمل آمنة نسبياً للعاملين في الميديا التي يديرها هؤلاء. تدل على ذلك الثقة التي منحتها وسائل إعلام عربية وغربية ناطقة بالعربية، وغير العربية، لـ"وكالة رامي عبدالرحمن" المسماة "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، الذي يديره مالك المرصد من مدينة كوفنتري في بريطانيا، والذي لعب دوراً مستمراً في مدِّ وسائل إعلامية عربية وعالمية كثيرة بمعلومات ترافق وتلي الحدث، وتسبقه أحياناً.

وفي الواقع، يبدو "المرصد" خبيراً مهنياً، إذا تغاضينا عن رغبويتنا، واحتجاجنا بالانحياز الأخلاقي للثورة، ووقوفنا في صف القتيل والمظلوم، على عكس الإعلام البديل الذي يروج لشائعات ومبالغات أضرت بالثورة، وبجهات تتصف بالموثوقية من فصائل الجيش الحر، على الرغم من تلقي العاملين في هذه الوسائل تدريبات للتحري عن دقة الخبر الذي ينقلونه عن جهات مختلفة على أرض المعركة.

ويُعدُّ هذا الاستطراد عن "المرصد" الذي لا يرضى عنه النظام الأسدي، ولا ترضى عنه المعارضات، قرينة على ما يجري، وعلى ما مضى، فقط، دون المجازفة بالقول إن الموقف من الإعلام المشكوك في توجهه مؤشر على التشاؤم القادم، والمقبل، حتى لو أصر عبدالرحمن "المرصد"، على وضع لازمة "النظام المجرم"، حسب السياق، في وصفه النظام الأسدي، فيما يلتزم الحياد في وصف داعش، فيقول "تنظيم الدولة الإسلامية"، ويسمي الفصائل المعارضة بأسمائها، في نوع من الحياد.

ولأن الحياد الإعلامي منطقي عند توصيف الفصائل في وسائل الإعلام المستقلة، فإن الحكم على وجود "غالب ومغلوب" ضمن المعطيات الحالية سيكون منطقياً ومهنياً. غير أن حسابات البيدر السياسي والعسكري مختلفة، كون إعلام النظام، وإعلام الفصائل (إنْ وُجد)، من التخبط، والوضاعة، بحيث لا يمكن أن يكون مؤثراً في المتابعين، من سوريين وعرب، وغيرهم، مهما حاولا تحري الدقة، لأن جمهور الطرفين متمسك بطرف اصطفافه، ظناً من كل منهما أن موقفه السياسي والأخلاقي سليم دون شك، وظناً من كل منهما أن رائده هو المنتصر، ورائد الطرف الآخر مهزوم.
T+ T T-