الثلاثاء 22 مايو 2018

حرب باردة بين تركيا وأمريكا على خلفية كردية

تعزيزات تركية على الحدود مع سوريا(أرشيف)
تعزيزات تركية على الحدود مع سوريا(أرشيف)
لا يُلام الأكراد كثيراً في بحثهم عن حليف قوي يحمل طموحاتهم القومية، مترددين بين الحليف الروسي، والأوروبي، والأمريكي.

الضعف الاستراتيجي الكردي في مجابهة عدو صريح مثل تركيا، وحلفاء مقلقين مثل أمريكا وروسيا، فيشبه التحالف غير المعلن بين "الاتحاد الديمقراطي" والنظام الأسدي، الذي لا يحتاج دليلاً بعد كل تلك السنوات القلقة من تجاور النظام و"قوات حماية الشعب" في القامشلي والحسكة
أما استقرارهم على الحليف الأمريكي ضد تركيا، فيحمل أحجية حقيقية، حين تخالفت واشنطن وأنقرة على خلفية الخطر الكردي على الحدود الجنوبية للأخيرة.

وخلاف الحليفين الأطلسيين في آسيا الصغرى وما يليها من الشرق الأوسط قد لا يحمل طابعاً استراتيجياً، ما يذكِّر بسيرة خيبات طموحات الأكراد القومية خلال أكثر من مئة سنة، على يد القوى العالمية المسيطرة في أكثر من مرحلة. وأمريكا اليوم لن تخالف سيرة الغدر التي جربها الأكراد على يد البريطانيين والفرنسيين، في ترجيح لاستخدام ورقة الأكراد تكتيكياً ولفترة لن تطول كثيراً قبل أن تعود الدول للتعامل مع الدول، وتعود العلاقات بين أمريكا وبين ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي إلى ما كانت عليه قبل عام 2014، حين حمت الطائرات الأمريكية الأكراد على الأرض، ودعمت تشكيل "قوات سوريا الديمقراطية" في شمال شرقي سوريا، تماماً على الحدود السورية التركية.

كل الدول المحيطة بسوريا تورطت في الحرب على سوريا، اعتقاداً منها أن ذلك يجنبها تبعات الفوضى التي قد تصل إليها، وأولها تركيا، حتى لو تذرعت باستحالة ضبط حدود يتجاوز طولها 900 كيلومتر.

فالحدود الجنوبية لتركيا كانت معبراً للسلاح والمقاتلين، سواء بعلم الدولة التركية ومخابراتها بالتعاون مع مخابرات دولية وإقليمية، أو باختراق المهربين لقوانين الدولة.

وانعكس هذا التسيّب في الحدود في مراحل مختلفة من السنوات السابقة على الداخل التركي، ليصل إرهابيو داعش إلى عمق تركيا، ويرتكبوا جرائم في كبرى مدن تركيا، في اسطنبول وإزمير وأنقرة وبورصة، رغم حرص المخابرات التركية على استباق خطوات الإرهابيين.

ولم تقتصر "الطريق السريعة" بين جنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا على حركة إرهابيي داعش، فتعداها إلى حركة مقاتلي (PKK) المقاتلين في "قوات حماية الشعب"، التي تمثل الجناح العسكري لـ"حزب الاتحاد الديموقراطي"، فنعوات عدد كبير من المقاتلين الأكراد كانت تدل على هويتهم التركية منذ معركة عين العرب - كوباني، مروراً بكل المعارك ضد المدن التي احتلها داعش، في منبج والرقة، وفي المعارك الدائرة في محافظة ديرالزور، منذ شهور.

وما يدل على استخدام أمريكا للأكراد لتأدية دور وظيفي فقط في قتال داعش اقتصار هذا الدعم على منطقة الجزيرة السورية بين دجلة والفرات، وترك الأكراد لمصيرهم في عفرين، حيث تهددهم تركيا منذ ثلاثة أشهر باجتياح المدينة، وطرد المقاتلين الأكراد منها.

وبالفعل، بدأت المدفعية التركية في قصف مواقع للقوات الكردية هناك، حاشدة عشرين ألف جندي تركي معززين بالمدفعية والدبابات والطيران، إضافة إلى 15 ألف مقاتل من فصائل سورية معارضة للنظام الأسدي وموالية لتركيا.

هنا، أيضاً، تستخدم تركيا هذه الفصائل في دور وظيفي حماية لمصالحها، دون أدنى ترجيح لاحتمال أن تستمر تركيا في دعم هذه الفصائل بعد انتهاء دورها، خاصة مع احتمال فرض أجندة نتائج سوتشي، أو غير سوتشي، حين تلتقي إرادات روسيا وإيران وتركيا على تصفية قضية المعارضة السورية، تمهيداً لإنهاء الحرب على سوريا بأي ثمن خدمة لمصالح تلك الدول التي تبدو الأقوى في قاعات السياسة وعلى أرض القتال.

حتى احتمال تدخل تركيا من جهة ولاية أورفا يبدو مستبعداً، فقواعد اللعبة تقتضي تجنب تركيا هذه الخطوة، رغم ورود أنباء غير مؤكدة عن حشود واستعدادات تركية في مقابل تل أبيض، أي في "القطبة الكردية" الواصلة بين مناطق النفوذ الكردية في القامشلي وعين العرب.

إذاً، فالاحترام التركي لمنطقة النفوذ الأمريكية الحامية للأكراد في شمال شرق سوريا، يقابله احترام أمريكي لمنطقة نفوذ تركي في شمال حلب، وغرب إدلب المحاذي للواء اسكندرونة، ما يرجح ثبات قواعد الحرب الباردة بينهما ضمن التكتيك المتفق عليه ضمناً بين الحليفين الأطلسيين.

أما الضعف الاستراتيجي الكردي في مجابهة عدو صريح مثل تركيا، وحلفاء مقلقين مثل أمريكا وروسيا، فيشبه التحالف غير المعلن بين "الاتحاد الديمقراطي" والنظام الأسدي، الذي لا يحتاج دليلاً بعد كل تلك السنوات القلقة من تجاور النظام و"قوات حماية الشعب" في القامشلي والحسكة. وآخر ما جرى تداوله في هذه النقطة استعداد "الاتحاد الديمقراطي" لتسليم عفرين للنظام الأسدي في رد على التهديدات التركية للمدينة التي تسيطر عليها قوات الحزب الكردي السوري.

أمام كل تلك المعطيات الحقيقية المتداولة في الواقع، وعلى مستوى التحليل، لا بد أن أكراد السياسة المسيطرين يدركون أن بروباغندا "حماية الشعب" تصح في مكان، وتخطئ في مكان. والصح والخطأ لا يفترض بالتأكيد أن "حاضنة شعبية" لهذه القوات تقويها هنا، وتضعفها هناك، فالسلاح قوة قهر للناس حتى لو كانوا أكراداً، كما أن خوف حملة السلاح من افتقاد "حاضنة شعبية" مدعاة للظن بولاء الناس، باحتساب علماني عليهم.

وهنا، يتشابه الناس المقهورون بالسلاح مع المسلحين الخائفين من الناس العزل، فكلاهما خائف من الآخر. أما السبيل إلى تأمين النفوس في الطرفين فيمر حتماً بإسقاط عامل السلاح، وتنحية بروباغندا الديمقراطية المؤسسة على التخيير بين "إما نحن، أو الفوضى".

وبالنسبة للأكراد، لا يفوتهم أن الفوضى هي أمريكا، بالقدر نفسه الذي يخافون فيه من تركيا، وبقدر الغدر المتوقع أن يواجهوه من النظام الأسدي.
T+ T T-