الأربعاء 21 فبراير 2018

العربيّة الحديثة 2

اللغة العربية (تعبيرية)
اللغة العربية (تعبيرية)


تراثيّة العربيّة وقدمها ليسا دائماً ولا بالضرورة عاملين سلبيين إذ لا ننسى أنّ العامل الأكثر أهميّة في حضور أو شمول العربيّة الفصحى هو القرآن والحديث، والأرجح أنّهما السند الأوّل لهذه العربيّة
في مقالة سابقة في الموقع توصلنا إلى أنّ الصحافة هي المصدر النموذجي لما نسميه العربيّة الحديثة، بيد أنّ هذا ليس كلّ شيء، فالعربية اليوم ومقصودنا في ذلك العربية الفصحى المنطوقه والمكتوبة تبدو، على نحو أو آخر، العربية الجامعة، وإن يكن هناك عاميات تكاد تكون أو تصبح على درجة من الشمول، بفضل السينما والراديو والتلفزيون والمسرح وحوارات الروايات، نخصّ منها اللهجة المصرية، وبدرجة أقل اللهجة الشامية الّتي تضمّ لهجات متجاورة في المنطقة ذاتها، وهي في تجاورها تكاد تكون واحدة. أعني بهذه اللهجة اللبنانية والسوريّة والفلسطينية والأردنية، وقد نضيف إليها اللهجات الخليجيّة، وقد يكون مصدر هذه اللهجات بدويّا. إلاّ أن الوصول إلى عاميّة واحدة يبدو بعيد التحقيق، بل يبدو بلا آفاق حالية، وعلينا أن نعتمد في ذلك على فصحى راهنة لا تزال تنمو وتتأكّد في الأدب والكتابة أيّاً كانت وجوهها وأغراضها. بيد أنّ هناك طارئاً جديداً أخذ يترسّخ في القراءة والكتابة هو الكومبيوتر والأنترنت. وفيما يدعم وجودهما القراءة والكتابة كوسيلتين يوميتين ومتاحتين ومفضّلتين وشعبيّتين، فإننا نحار في أي العربيّات تستفيد أكثر من هذه الوسيلة. ورغم الميل إلى الكتابة بالعامية الّتي تجعلها أكثر مباشرة وحميميّة، فإنّ العاميّات المعتمدة للسبب نفسه "القرب والمباشرة" ليست موغلة في عاميتها، ليست وعرة ولا مستغلقة ولا شعبية جداً. إنّها في الغالب مدينة للتعليم وللمدارس التي ينبغي اعتبارها بالتأكيد مصدراً ثرياّ في المجال اللغوي، وأغلب الظنّ أنّ العربيّة الّتي تعمّمها المدارس هي العربيّة المفصّحة ذاتها الّتي تنشرها الصحف، هي الفصاحة المبسّطة ألّتي يتكلّم بها المتحاورون في التلفزيون. ومما يثير العجب أنّ هؤلاء المتحاورين يتكلمون في الغالب، على تعدّد هويّاتهم واختصاصاتهم ممّا يثير العجب، عربيّة صحيحة. يمكننا هنا أن نتوقف عند المدارس على اختلافها باعتباره عاملاً فعّالاً للغاية في صياغة أوصناعة عربيّة حديثة.

مع المدارس هناك أجيال تشرّبت عربية راهنة تغدو أكثر فأكثر على درجة من الشمول. العربيّة الفصيحة، بهذا المعنى، تجيّر لصالحها الوسائل الجديدة والمعاصرة، مع أنه يخطر للذهن غالباً أن الأمر بالعكس، وأنّ الوسائل المعاصرة تضر بهذه العربيّة وتحيلها إلى تراث ماضٍ مهلهل وعجوز. تراثية العربية وقدمها ليسا دائماً ولا بالضرورة عاملين سلبيين إذ لا ننسى أنّ العامل الأكثر أهميّة في حضور أو شمول العربيّة الفصحى هو القرآن والحديث، والأرجح أنّهما السند الأول لهذه العربيّة. مع ذلك فإن للعوامل الحديثة دورها ليس في مقاومة هذه العربيّة ومصارعتها فحسب وإنما في نشرها وتعميمها أيضا. ولعلنا هنا نصل إلى السينما والتلفيزيون. في السينما نقف عند الأفلام المترجمة.المترجمون ليسو أدباء ولا متضلعين بالضرورة في العربيّة، إنّهم يعودون إلى القاموس غالباً أو إلى التراث إذا أعوز الأمر، وهم يعودون من ذلك بترجمات تقوم أوّلاً على العربيّة الفصيحة. إذا قدّرنا عدد هذه الأفلام المترجمة وقدّرنا العدد الأسبوعي للنظارة والمتفرّجين وقدّرنا فئات هؤلاء المتفرجين الّذين يقرأون في كذا من الأيام أوالأسابيع فيلماً أو أكثر، فهمنا كيف وكم تفعل هذه الأفلام، فهي نص كامل بالعربيّة الفصحى. إنّها تمرين شعبي وأسبوعي على القراءة بالعربيّة.

لا ننسى هنا أنّ هناك محطّات تلفزيونيّة متخصّصة في هذه الأفلام المترجمة بمعدّل كذا فيلم في اليوم، ما يعني عدّة قراءات يوميّة بالعربيّة الفصحى. مثل هذه القراءة في تكرارها وتردّدها تشكلّ فعل قراءة حقيقياً وتمريناً متواتراً على القراءة. غير أن هذه بالفصحى قد تخرج أحياناً عن الفصحى المبسطة القريبة من المحكيّة إلى فصحى لم تعد متداولة ولم تعد قريبة من المحكيّة، أي فصحى متقعّرة لاتوجد إلاّ في الكتب القديمة. فنحن نقرأ: أبليت حسناً، وتباً، وعلى رسله، ويا للخطب، ويا للهول، وأمثال ذلك كثير. هذه التعابير والمفردات القاموسيّة تردنا إلى التراث وإلى القاموس، وإننا لنحار حيالها، هل ينبغي البعد عنها لتبقى الفصحى قريبة من الإستعمال، أم أن من الأفضل أن تبقى هناك علاقة بالتراث، هي موجودة أصلا في الشعائر والكتاب القدسي.
T+ T T-