الإثنين 20 أغسطس 2018

بيوت الله ووهم التدنيس

المسجد مصدر إشعاع في المكان الذي يبنى فيه, ويكفيه أنه بيت الله ولا يمكن لبيوت الله إلا أن تكون مغمورة بالنور, والذين يدخلون المسجد هم ضيوف الله, تغمرهم السكينة وتتنزل عليهم الرحمات. ورسالة المسجد في الإسلام – إن كان لابد من التذكير بها- هي التوجيه والإرشاد والإصلاح, لكل من يأتي اليه ويدخل رحابه الطاهرة التي لا يدنسها عابر. لهذا كان أئمة المساجد, على امتداد التاريخ – مثالاً في حسن الخلق ولين الجانب وسعة الصدر والشعور بالمسؤولية.

"بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ، فتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَمَرَ رَجُلا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ".

فلنتأمل هذا المشهد، ولنقف قليلاً عند هذا الحلم النبوي, الذي ظل يصدر عن التيسير وليس التعسير, ودفع المفسدة بأقل الأضرار.
ليتأمل هواة التشويه والتشكيك في كلّ شيء، أخلاق سيد الأنبياء, الذي لم يعلن تلك الحادثة الطارئة حرباً شعواء, بل اتخذها مناسبة لتجذير وعي ظل عليه السلام يصدر عنه, فما خير الرسول بين أمرين إلا واختار أيسرهما.

واليوم يعرف كل من زار جامع الشيخ زايد, هذا الصرح الحضاري العظيم, أنه بيت من بيوت الله يشرع أبوابه للناس جميعاً, ويبلغ زواره من غير المسلمين مئات الآلاف سنوياً, فلماذا يتحدثون الآن عن التدنيس؟ لقد خاب وخسئ كل من يتوهم أن أحداً يقدر على تدنيس هذا الفضاء الذي لا تنقطع فيه قراءة الذكر الحكيم.

ولعلّ المسيء حقاً في حادثة زيارة المطربة ريهانا إلى جامع الشيخ زايد الكبير، ليس الزيارة في حدّ ذاتها، ولا الصور التي قد يختلف الرأي حولها، والتي يمكن التعامل معها بهدوء وعقلانية شديدين، بل تلك المحاولة الشرسة من قبل بعضهم من طيور الظلام لاستغلال هذه الحادثة العابرة حقاً، في محاولة دنيئة لتشويه هذا الصرح الحضاري والإسلامي الشامخ.

المقدس يظل مقدساً, وبيوت الله فضاءات مقدسة، وجامع الشيخ زايد المغمور بالبياض، سيظلّ مغموراً بالبياض، أما من يتوهمون غير ذلك فهم مجرد عابرين في حدث عابر.

T+ T T-