السبت 18 أغسطس 2018

السجين في قصره، آخر أيام صدّام

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أمام المحكمة.(أرشيف)
الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أمام المحكمة.(أرشيف)


من المداخل المحتملة لتحليل صدام في السلطة، وفي زمن الاعتقال، ولحظة الإعدام، التفكير في هذه المراحل كلها بوصفها أدواراً كان على صدّام الإنسان تمثيلها نيابة عن، وفي خدمة، صدّام من نوع آخر، لم يعرفه أحد سواه
 لن تكف الأساطير التي أحاطت بإلقاء القبض على صدّام حسين، ومحاكمته، وإعدامه، عن التوالد، وفيها من التنوّع، على مدار سنوات أصبحت طويلة الآن، ما يكفي للتدليل على ما يسم الخيال الإنساني من جنوح تحرّض عليه دوافع أيديولوجية وسياسية حيناً، ومجرّد غواية التلاعب بالواقع من جانب البعض في حين آخر. وهذا ما تجلى، في الأسابيع القليلة الماضية، على هامش مرور 11 عاماً على إعدام صدّام في ذلك اليوم الشتائي البارد في الثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) 2006.

وإذا وضعنا الأساطير جانباً، فهناك القليل من المعلومات الموّثقة بشأن حياة صدّام ما بين لحظة القبض عليه، في الحفرة التي شاهدها ما لا يحصى من الناس، في أربعة أركان الأرض، ولحظة إعدامه، التي شاهدها، ما لا يحصى من الناس، أيضاً، مصوّرة بكاميرا هاتف محمول. تبلغ الفترة الفاصلة بين اللحظتين ثلاث سنوات، وهي فترة طويلة نسبياً، وتتضارب الروايات بشأنها حول مكان الاعتقال، وطبيعة التحقيق، وتفاصيل حياته اليومية في السجن.

وفي هذا السياق جاء كتاب جون نيكسون "استنطاق الرئيس: التحقيق مع صدّام حسين"، الصادر بالإنكليزية في ديسمبر 2016 في الذكرى العاشرة لإعدام صدّام، والذي يستمد أهميته من حقيقة أن المؤلف كان أوّل ضبّاط وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، الذين تأكدوا من هوية رجل طويل اللحية، أشعث الشعر، عثر عليه الجنود في حفرة، وحققوا معه.

وفي سياق شبيه، يأتي كتاب ويل باردينويربر "السجين في قصره: صدّام حسين، حرّاسه الأمريكيون، وما صمت عنه التاريخ" الصادر بالإنكليزية في يونيو (حزيران) 2017، والذي يستمد أهميته من حقيقة أن المؤلف، الذي خدم كضابط مشاه في العراق، بنى كتابه على روايات 12 جندياً من الشرطة العسكرية الأميركية تولوا حراسة صدّام في الأشهر الأخيرة من حياته، وحتى صباح تسليمه للسلطات العراقية لتنفيذ حكم الإعدام.

ثمة الكثير من تفاصيل الحياة اليومية لصدّام على مدار خمسة أشهر سبقت إعدامه، وكان فيها سجيناً في قبو أحد قصوره السابقة في بغداد، يعيش في غرفة محصّنة صُممت بطريقة تمكّن الحراس من مراقبته على مدار 24 ساعة في اليوم. وهذه التفاصيل متشابهة إلى حد بعيد، وما تجدر ملاحظته أن صدّام كان يحظى بوجبات أكل خاصة، وأنه لم ينقطع عن تدخين سيجاره الكوبي الفاخر، وأنه كان يقضي الوقت في القراءة والكتابة وسماع الراديو.

ولعل أبرز ما في شهادات الحرّاس الأميركيين، وهم من خلفيات اجتماعية متواضعة، نالوا القليل من التعليم، ولا يعرفون الكثير عن العراق والعالم العربي، أن علاقتهم بصدّام اتسمت بالحذر والتوتر في الأسابيع الأولى، فلم يشك أحد منهم في حقيقة أن السجين، الذي يحرسونه، ارتكب جرائم فظيعة، ومع ذلك نشأ نوع من الألفة بينه وبينهم مع مرور الوقت.

كان المترجم الخاص بصدّام، وهو من أصول لبنانية، يقيم مع الحرّاس في المكان نفسه، وبواسطته، أو بإنكليزية صدّام الركيكة، والإشارات، كان الحراس قادرين على التواصل مع السجين، والحديث بشأن أشياء مختلفة من بينها العائلة، والتجارب الشخصية، والهوايات. وقد أثار اهتمامهم على نحو خاص أن صدّام لا يكف عن الكتابة، و"يكتب الكثير من الشعر".

وفي أيام الجلسات التي كانت تستدعي وجود صدّام في قاعة المحكمة، كان الحرّاس ينقلونه إلى مبنى المحكمة في المنطقة الخضراء، وإذا تواصلت الجلسات على مدار أيام متصلة، كانوا لا يعودون به إلى السجن، في قصره السابق، لأسباب أمنية، بل يتحفّظون عليه، وبقية السجناء الآخرين، في غرف مُحصّنة تحت بناية المحكمة، وفي تلك الأيام كان صدّام يجد الوقت للقاء معاونيه السابقين.
وما لاحظه الحرّاس في شهادات تكاد تكون متطابقة أن صدّام السجين كان مختلفاً تمام الاختلاف عن صدّام المتهم في قاعة المحكمة.

 فالأوّل كان ودوداً يميل إلى الفكاهة ويحب الكلام مع سجّانيه، ويسأل عن عائلاتهم، والثاني كان غاضباً ومتحدياً لأنه كان يعرف أن الكاميرا مسلطة عليه، وأن عليه تمثيل دوره الأخير على مسرح السياسة والحياة.

وهذا يصدق حتى على الأيام التي تلت صدور الحكم بإعدامه، والتي ظل خلالها هادئاً، وحتى في ليلته الأخيرة، عندما سلّمه الحرّاس للسلطات العراقية، وجلسوا في مكان يمكنهم من مراقبة مشهد الإعدام، حافظ صدّام على هدوئه. وربما كانت هذه الخلاصة، بالذات، هي ما قصده المؤلف في عبارة "ما صمت عنه التاريخ" التي جاءت في عنوان الكتاب. وربما كان المقصود بها تلك الألفة التي جمعت بين السجين وحرّاسه.

ومع ذلك، لا يملك القارئ سوى الخروج بانطباعات شخصية تماماً. فصدّام كان مفتوناً بنفسه، وذكر مرّة في قاعة المحكمة أن أحداً لا يستطيع محاكمة صدّام حسين حتى صدّام نفسه. ومن المداخل المحتملة لتحليل صدام في السلطة، وفي زمن الاعتقال، ولحظة الإعدام، التفكير في هذه المراحل كلها بوصفها أدواراً كان على صدّام الإنسان تمثيلها نيابة عن، وفي خدمة، صدّام من نوع آخر، لم يعرفه أحد سواه. ولعل في كتاب "السجين في قصره" ما يصلح كوسيلة إيضاح، لفصل من حياته هناك، وأيامه الأخيرة.    
T+ T T-