الإثنين 21 مايو 2018

كيف نستطيع كتابة تاريخ العالم؟

كتاب: هل يجب التفكير في تاريخ العالم بطريقة أخرى؟. (ألاشيف)
كتاب: هل يجب التفكير في تاريخ العالم بطريقة أخرى؟. (ألاشيف)


دراسة التاريخ في جامعاتنا العربيّة يجب أن تنتبه وبقوة إلى هذه التطورات الهائلة الحادثة في المنهجيات التاريخيّة التي تجاوزت طرائق السرد الوصفيَّ الاسترجاعيَّ إلى السرد التفكيكيّ الناقد الذي يُسائل الأمور وينظر إليها بوصفها منظومة فكرية شاملة
بعد اشتغالاتٍ طويلةٍ ومعمقةٍ في العصور التاريخيّة وإشكالياتها، قدّم المؤرخ الفرنسيّ جاك لوغوف(1924-2014) وجهة نظر علميّة جديرة بالتأمل؛ لقد وجد وهو المعنيّ بتاريخ العصر الوسيط الأوروبيَ أنَّ هذا العصر لم يكن "أزمنة مظلمة" كما وُصِفَ بذلك من جانب النخبة المثقفة في عصرِ النهضةِ وخاصة في القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر الميلاديّ! فقد بيّن لوغوف أنَّ هذا الخطابَ الاستعلائيَّ قد استفحلَ مع علماء الأنوار منذ القرن الثامن عشر الذين وصفوا العصرَ الوسيطَ بأنَّه "عصر الظلمات" والحقيقة التي توَّصل إليها هذا المؤرخُ الفرنسيّ هي أنَّ العصرَ الوسيطَ الأوروبيّ لم يكن "عصر الظلمات" كما وصفه بذلك أعداؤه إنما كان عصراً ملهماً ومؤثراً! العصر الوسيط شًهِدَ بروز نخبة مثقفة لامعة، كما شَهِدَت القراءة والكتابة تطورًا بارزًا عن العصور التاريخية السابقة.

ولم يقتصر الأمر على الفكرِ فقط وإنّما تعداه إلى مجال الفنون الجميلة والمعمارية؛ إذ يقول لوغوف: "وخلق العصر الوسيط الفنانَ الذي لم يعدْ مجردَ حرفيٍّ خبير في الأعمال اليدوية، بل أصبح شخصاً تلهمه إرادة إنتاج كلَّ ما هو جميل، ويسخّر حياته لذلك ويجعلُ منه أكثر من مجرد حرفة وإنّما قدراً، ويكتسبُ في المجتمع القروسطيّ مهابة لم يحظَ بها المعماريون والرسامون والنحاتون".

بسبب التحقيب التاريخي تمَّ اختزالُ الزمان التاريخيّ إلى أزمنة محدّدة ببداية ونهاية(حقبة)، وهذا التقطيع هو الذي جزّأ التاريخ وخلق حواجزَ وفواصلَ، وفي حقيقة الأمر كانت تلك الحقب متواصلة مع بعضها ومتداخلة. ولذلك فإنَّ مصطلحاً مثل "العصور الوسيطة الأوروبية" تمَّ اختزاله في حقبة زمنية محددة رغم أنه في الواقع التاريخي كان عصراً طويلاً وممتداً ومؤئِّرا بقوة.

أمَّا الأكاديميَّ الفرنسيَّ وأستاذ "الجيوتاريخ" في جامعة باريس وفي معهد العلوم السياسيّة كريستيان غراتالو فقد قدّم في كتابه "هل يجبُّ التفكير في تاريخ العالم بطريقة أخرى؟" وجهة نظر جديرة بالتأمل والنظر. وهي الحاجة الآن إلى إعادة كتابة تاريخ العالم من جديد بعيدًا عن المركزيات الأوروبية التي فرضت تصوراً معينًا على العالم هو "الاكتشافات الكبرى" ثم عصور الاستعمار ثم فرض التصورات الأوروبية في كتابة التاريخ بوصفها المرجعية المركزية المهيمنة. نعيش الآن في عصر ما بعد الكولونيالية، وهو عصر يحتاج إلى تاريخ كونيَّ متعدد الأقطاب.

إن تاريخ الأرض يفرض تاريخ العالم، وهذا هو تيار التاريخ الكبير Big History الذي يعد المؤرخ الأنغلوأمريكي ديفيد.د.كريستيان ممثله الرئيسي، وأطروحته قائمة على مقاربة تاريخ الكون أرضاً وسكاناً في حركة واحدة، وذلك منذ الانفجار العظيم. ويسعى مشروع ديفيد كريستيان إلى تجاوز التقطعات التي أحدثها العلم الغربيّ بين دراسات الكون والمادة والحياة والمجتمع.

وختاماً أقول إنَّ دراسة التاريخ في جامعاتنا العربيّة يجب أن تنتبه وبقوة إلى هذه التطورات الهائلة الحادثة في المنهجيات التاريخيّة التي تجاوزت طرائق السرد الوصفيَّ الاسترجاعيَّ إلى السرد التفكيكيّ الناقد الذي يُسائل الأمور وينظر إليها بوصفها منظومة فكرية شاملة بدلاً من اختزالها في حقبٍ تاريخيّةٍ تجزيئية وخاصة ما يتعلق بتاريخ المستقبليات الذي يجمع بين التحليل النقدي وقوة التبنؤ العلمي المؤسس على معطيات وكذلك التاريخ الكوني الكبير الذي ينظر لعلاقة الإنسان بمحيطه الشموليّ ولا يقتصر فقط على التاريخ السياسيّ.

لقد أنتج ابن خلدون منظوراً شمولياً عميقاً لأحوال العمران والدول ونشوئها ثم انحدارها، ولم يستند مطلقاً إلى نظرة تجزيئية مختزلة، ومقدمته الشهيرة كانت هي الجزء الأول من تاريخه فاشتهرت هي بسبب منهجيتها النقدية الاستثنائية في حين لم يشتهر تاريخه! فما أحوجنا في الجامعات العربيّة إلى مثل هذا المنظور الفلسفيّ العميق المستمد من ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة والمستمد كذلك من منهجيات تاريخية كونيّة نحن جزء من منظومتها الشاملة.
T+ T T-