الأحد 27 مايو 2018

تقرير: القطاع العام اللبناني يعاني من ضعف الكفاءة وهدر الموارد

موظف يتجول داخل مكتب إصدار الطوابع المالية في بيروت (رويترز)
موظف يتجول داخل مكتب إصدار الطوابع المالية في بيروت (رويترز)
تكاد ممرات مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك اللبنانية تكون مظلمة، تتفرع منها غرف واسعة تغطي جدرانها خزن ملفات تغطيها الأتربة ويتناثر فيها حفنة من الموظفين المنكبين على تصفح هواتفهم.

مصلحة سكك الحديد والنقل لا تشرف على أي نشاط يذكر
هيئة البريد باتت مهامها محدودة بعد الخصخصة
الإنفاق العام زاد إلى ثلاثة أمثاله على مدار 12 عاما لم تشهد ميزانية للدولة
المانحون سينتقدون تمويل مثل هذه المؤسسات في مؤتمر مزمع في أبريل
في بلد يفتقر إلى منظومة شاملة للنقل للعام لا يبقى أمام موظفين حكوميين كهؤلاء مهام تذكر ليضطلعوا بها، لكن الحكومة اللبنانية تخصص للهيئة ميزانية سنوية قدرها 13 مليار ليرة لبنانية (8.64 مليون دولار).

يعد كم الأموال المهدرة في القطاع العام اللبناني مشكلة كبيرة في بلد يسجل دينه العام مقارنة بدخله أحد أعلى المستويات في العالم.

وفي ظل معاناة البلاد من ضعف النمو الاقتصادي، يحذر بعض المسؤولين من معدل للعجز العام لا يمكن الاستمرار فيه ويجري تمويله في الغالب بواسطة بنوك محلية. ومن المتوقع أن يطالب المانحون الدوليون، الذين يسعون لعقد اجتماع في وقت لاحق العام الجاري، بإصلاحات.

لكن مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في مايو (أيار)، فإن نظام تقاسم السلطة القائم على أسس طائفية سيجعل من الصعب إجراء أي تقليص للنفقات.

وكان البنك الدولي قال في تقرير في 2016 إن هذا النظام -الذي طالما استخدمه بعض السياسيين لمحاباة أطراف محسوبة عليهم ولتعزيز دعمها لهم- مسؤول جزئياً عن الهدر.

وقال نسيب غبريل كبير المحللين الاقتصاديين في مصرف "بيبلوس" إن "النفقات العامة ارتفعت من 6.5 مليار دولار في 2005 إلى 16 مليار دولار في 2016 وبدون موازنة، ما يظهر في حد ذاته حجم الهدر".

وتوقع البنك الدولي أن تصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان إلى 155 في المئة في نهاية 2017، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم.

وقال غبريل إن تكلفة زيادة أجور موظفي القطاع العام فاقت خدمة الدين اللبناني من الإنفاق الحكومي أواخر العام الماضي.

تقع مصلحة سكك الحديد في مجمع مترامي الأطراف قرب وسط بيروت تتناثر في أرجائه قطارات صدئة تعود للأيام الخوالي عندما كانت توجد خدمة للقطارات في لبنان، لكنها الآن باتت مرتعاً لمجموعة من الكلاب الضالة الشرسة.

وقال زياد نصر مدير المصلحة لرويترز: "هناك رزمة من المشاريع التي اقترحتها مصلحة سكة الحديد، وأنا شخصياً، وأرسلناها إلى المراجع المختصة" مشيراً إلى أنها تضم مشاريع لإصلاح السكك الحديدية وتأسيس خدمة ملائمة للنقل بالحافلات لكنه أشار إلى أنها لا تزال معطلة بسبب نقص التمويل.

ويضم الأسطول الحالي لحافلات النقل العام في البلد الذي يقطنه أربعة ملايين نسمة، حوالي 40 حافلة. أما السائقون لدى مصلحة النقل فقلة منهم فقط يقودون الحافلات لأسباب عدة منها خوفهم من تعرضهم للهجوم من قبل سائقي الحافلات الصغيرة الخاصة التي تهيمن على القطاع.

وقال أحد سائقي الحافلات العامة طلب عدم نشر اسمه: "لم أتول قيادة حافلة منذ أكثر من عام ونصف العام ويوجد سائقون لم يقودوا حافلات منذ عشرة أعوام".



لا مهام تذكر
وقال الباحث بالمؤسسة الدولية للمعلومات محمد شمس الدين وهي شركة استشارات مقرها بيروت متخصصة في أبحاث السوق والسياسات العامة، إن مصلحة النقل واحدة من أكثر من 12 هيئة حكومية تتلقى تمويلاً من الدولة لكن ليس لها أي أدوار مهمة.

وتأسست المؤسسة العامة لترتيب الضاحية الجنوبية الغربية لبيروت (إليسار) لتطوير هذا الجزء من العاصمة، لكن العمل توقف بالكامل في 1997 بسبب نزاعات سياسية ومصاعب ترتبط بتوفير التمويل.

وقال شمس الدين إنه على الرغم من تعليق المشروع، إلا أن المؤسسة التي تشرف عليه احتفظت بميزانيتها السنوية البالغة 3.4 مليار ليرة (2.25 مليون دولار) ونحو 40 موظفاً.

ورفضت مؤسسة (إليسار) التحدث إلى رويترز. لكن مديرها السابق فادي فواز، وهو الآن مستشار اقتصادي لرئيس الوزراء سعد الحريري، قال إن الحكومة تخطط لإعادة إطلاق المشروع هذا العام.

وأشار فواز إلى أن المؤسسة لم تحقق أي تقدم على مدى 20 عاماً.

وذكر تقرير البنك الدولي في 2016 أن نظام تقاسم السلطة، وهو جزء من الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990، يشمل موازنة نسب الموظفين بأجهزة الخدمة المدنية على أسس طائفية وهو ما يزيد من صعوبة تسريح الموظفين.

وقال شمس الدين الباحث المخضرم في هذا المجال إن كل هيئة من هذه الهيئات لها مدير عام وموظفون وإن إلغاءها يعني انتهاك حقوق الطوائف التي ينتمي إليها الموظفون.

وأضاف أن بعض الهيئات أغلقت أبوابها فقط بعد إحالة آخر موظف إلى التقاعد، كمكتب الحرير الذي كان يشرف على صناعة الحرير التي كانت رائجة في لبنان وتوقفت أنشطتها بالكامل في عام 1975 عندما اندلعت الحرب الأهلية لكنه لم يقفل بشكل نهائي إلا في عام 2000.

ويعمل في إدارة البريد 60 موظفاً ولها ميزانية سنوية قدرها 6.8 مليار ليرة (4.50 مليون دولار) على الرغم من أنها أوقفت كل أنشطتها في عام 1998 عندما جرت خصخصة خدمات البريد. لكنها لا تزال تصمم الطوابع البريدية.

وقال مدير إدارة البريد محمد زهير يوسف في تصريح لرويترز: "وقت بيكون ما عند الدولة نظرة إستراتيجية، ماذا تفعل حينها بالموظفين بعد خصخصة أي قطاع بالدولة؟".

وأوضح أنه لا يمكن للدولة أن تثير نقمة المجتمع بتسريح الموظفين.



مقاومة للتغيير
وتسبب شقاق عميق بين الكتل السياسية الرئيسية في مزيد من المقاومة للتغيير إذ تأجلت الانتخابات مرتين ولم تكن هناك أي حكومة رسمية في الفترة بين 2014 و2016 وظلت البلاد بلا ميزانية منذ 2005 حتى العام الماضي.

وأتاح اتفاق بين الأطراف المتنافسة فرصة للبرلمان لتعيين الحكومة الحالية في عام 2016.

ولم يتضح بعد هل ستساعد انتخابات مايو (أيار) في حل المشكلات أم ستغطي عليها فقط. لكن حتى الآن فإنها ربما جعلت الأمور أكثر سوءاً.

ومع تركيزهم على الحصول على الأصوات، ضغط السياسيون في العام الماضي بهدف زيادة أجور القطاع العام وسط ضغط شعبي وذلك في أول ميزانية رسمية في 12 عاماً.

وأقر السياسيون أيضاً ضرائب جديدة لتغطية النفقات الإضافية بميزانية قدرها 917 مليون دولار. لكن الواقع يقول لا أحد يعرف حقاً ماذا سيكون حجم التكلفة لأنه لا توجد بيانات دقيقة عن عدد المدرجين في كشوف الرواتب في القطاع الحكومي.

في حين تفتقر وزارة مكافحة الفساد، التي جرى تأسيسها في نهاية العام الماضي لمحاربة الفساد والهدر، إلى ميزانية ومقر وموظفين وصلاحيات وهيكل مؤسسي.

وقال نقولا تويني وزير الدولة لمكافحة الفساد "السبب في أننا لم نطلب موازنة لأنه الموازنة بلبنان مثقلة فعلاً بأعباء عالية جداً ولم نرد زيادة هذا العبء".

(الدولار = 1511 ليرة لبنانية)
T+ T T-