الأربعاء 20 يونيو 2018

الغوطة الشرقية.. مجزرة سورية جديدة

آثار الدمار جراء القصف في الغوطة الشرقية (أرشيف)
آثار الدمار جراء القصف في الغوطة الشرقية (أرشيف)
بدأ النظام السوري والقوات الموالية له هجوماً عنيفاً على الغوطة الشرقية قرب دمشق، منذ مساء الأحد الماضي، ليرتفع عدد الضحايا إلى 322 قتيلاً بينهم عشرات الأطفال، إضافة إلى مئات الجرحى، حتى الآن.

وقالت مصادر ميدانية أن أكثر من 50 قتيلاً سقطوا أمس الأربعاء، في قصف للطيران المروحي بالبراميل المتفجرة على بلدة كفربطنا وغارات جوية على بلدة جسرين، كما أدى القضف لوقوع أكثر من 170 جريحاً خلال يوم واحد.

وعلى الرغم من أن اتفاقية مناطق "خفض التصعيد"، التي تشمل أربع مناطق من بينها الغوطة الشرقية، والتي اتفقت عليها كل من روسيا وتركيا وإيران منتصف العام الماضي، إلا أن الأوضاع في الغوطة بقيت كما هي واستمرت دوامة العنف، حتى بدأ التصعيد الأخير من قِبل النظام السوري.

"جنة دمشق"
وتحيط غوطة دمشق بالعاصمة السورية دمشق من الشرق والغرب والجنوب، وهي سهل ممتد عبارة عن بساتين من الأشجار. وتمتد 18 ميلاً، كلها بساتين وقصور تحيط بها جبال عالية من جميع جهاتها ومياها خارجة من تلك الجبال، كما تمتد في الغوطة عدة أنهار.

وتشتهر غوطة دمشق بخصوبة الأرض وجودة المياه حيث تغذي بساتين الغوطة مجموعة من الأنهار الصغيرة من فروع نهر بردى وشبكة من قنوات الري، وتقسم الغوطة إلى قسمين متصلين هما: الغوطة الغربية والغوطة الشرقية.



وتعتبر مدينة دوما مركز الغوطة الشرقية، وتحيط بمدينة دمشق من الشرق والجنوب، وتمتد إلى وبلدات ومدن مثل: زملكا وجرمانا والمليحة وعقربا وحزّة وكفربطنا وعربين، وصولاً إلى الغوطة الغربية.

وكانت غوطة دمشق من المناطق السياحية الجذابة، ويعود ذلك إلى أهميتها الدينية والأثرية، حيث تنتشر فيها العديد من المزارات الدينية والمقامات وقبور الصحابة، إضافة إلى العديد من المواقع والتلال الأثرية التي يعود بعضها إلى العصر الحجري.

المقاتلون في الغوطة
تسيطر على الغوطة الشرقية فصائل المعارضة السورية المسلحة، وبحسب تقارير، فإن أهم فصيلين يسيطران على الغوطة منذ خروجها عن سيطرة النظام السوري، هما "جيش الاسلام" و"فيلق الرحمن" إلى جانب مجموعات صغيرة أخرى.

"جيش الإسلام":
تشكل "جيش الإسلام" عام 2013، عبر اتحاد أكثر من 45 فصيلاً من "الجيش الحر" الذي كان يُعد أكبر تشكيل عسكري معارض، ويتكون "جيش الإسلام" من مجلس قيادة ومكاتب إدارية، ويقدر عدد مقاتليه ما بين 10 إلى 15 ألف مقاتل حالياً.


وشارك جيش الإسلام في الكثير من العمليات العسكرية في مختلف المدن السورية، وخاصة في ريف دمشق، حيث اتخذ من مدينة دوما منطلقاً لعملياته العسكرية، وتمكن من توسيع رقعة عملياته والسيطرة خلال فترة قصيرة على عدد كبير من المواقع الهامة للنظام، من بينها كتيبة الدفاع الجوي في الغوطة الشرقية.

كما شارك قائده ومؤسسه، زهران علوش، في عمليات عسكرية كثيرة، وتعرض إلى العديد من محاولات الاغتيال الفاشلة، خصوصاً بعد محاربته تنظيم داعش، ولقي حتفه في غارات جوية روسية، حيث اغْتيلَ أواخر عام 2015، وهو عام التدخل الروسي في سوريا.

وأدى التدخل الروسي وحملة القصف العنيف على معاقل "جيش الاسلام"، في ظل حصار خانق على مناطق سيطرته، إضافة إلى اغتيال علوش، إلى إضعاف التنظيم، وترك أثراً على قدراته وقوته، ويرى مراقبون أن "جيش الإسلام" يواجه معركة وجود حالياً، خاصة مع حملة القصف العنيف الأخيرة على معاقله.

"فيلق الرحمن":
انبثقت جماعة "فيلق الرحمن" العسكرية عن "لواء البراء"، الذي تأسس في أغسطس (آب) 2012، لكن مع انضمام مزيد من الجماعات المسلحة له تم اعتماد اسم "فيلق الرحمن"، وتعمل هذه الجماعة تحت اسم آخر، هو "الجيش السوري الحر".



وينتشر "فيلق الرحمن" في الغوطة الشرقية حتى خطوط التماس مع قوات النظام في جوبر عين ترما على أطراف العاصمة دمشق. ويقدر عدد مقاتليه بنحو 10 آلاف مقاتل، وهو الذي قاد مؤخراً معركة الدخول إلى إدارة المركبات على أطراف الغوطة، والتي قتل فيها العشرات من جنود وضباط جيش النظام.

يذكر أن "الفيلق" دخل في مواجهات عسكرية عديدة مع "جيش الإسلام"، بسبب وقوفه إلى جانب جماعة "الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام"، في صراع الأخيرة مع "جيش الإسلام" على النفوذ والمكاسب الاقتصادية، كما أن الفيلق وقف إلى جانب "هيئة تحرير الشام" ورفض طلب "جيش الإسلام" بطرد عناصر الهيئة من الغوطة، بذريعة أن وجودها في الغوطة بات "مصدراً للأزمات وذريعة لاستمرار حملة قوات النظام على حي جوبر الدمشقي وبلدة عين ترما"، بحسب بيان له.

"هيئة تحرير الشام":
ينتشر عناصر "هيئة تحرير الشام" بشكل محدود في بلدات عربين وكفربطنا وجوبر، ويتزعمها في الغوطة "الشيخ أبو عاصي"، وفيها عدد كبير من المقاتلين الأجانب، وتعتبر من الفصائل النشِطة رغم قلة عدد مقاتليها.



وتملك الهيئة (جبهة النصرة سابقاً)، التي كانت على صلة بتنظيم القاعدة، قدرة عالية على التفخيخ والتفجير، والقيام بعمليات انتحارية، ما منحها قوة إضافية لا تملكها التشكيلات العسكرية الأخرى، إلا أن علاقاتها متوترة مع أغلب الفصائل، حتى مع حلفائها أمثال جماعة "فيلق الرحمن".

وكان لـ"هيئة تحرير الشام" حضور ملموس في ريف دمشق، لكن صراعها مع أغلب الفصائل الأخرى وخسارتها مناطق عديدة كانت تسيطر عليها، أجبرها على سحب أغلب عناصرها إلى محافظ إدلب شمالي سوريا، حيث تسيطر على أغلب أرجاء المحافظة، وتخوض الهيئة مواجهات قوية مع منافسيها هناك، مثل حركة "نور الدين زنكي" و"حركة أحرار الشام".

"حركة أحرار الشام":
تُعد "حركة أحرار الشام" رابع فصيل في الغوطة، إلا أن تموضعها الأساسي هو في ريف إدلب، شمالي سوريا، ولها عدد قليل من المقاتلين في الغوطة الشرقية.



وتشكلت هذه الحركة في بداية الحرب الأهلية في سوريا، وتمتلك خبرة عسكرية كبيرة، رغم قلة عدد مقاتليها بشكل عام، كما أن لـ"حركة أحرار الشام" علاقات طيبة مع أغلب الفصائل المسلحة في الغوطة.

الموقف الدولي من التصعيد
أبدى المجتمع الدولي قلقاً بالغاً من تعرض الغوطة الشرقية، المعقل الأخير لفصائل المعارضة في ريف دمشق، لوابل من قنابل النظام السوري، القوات الموالية له، فيما تنفي روسيا أي ضلوع لها في العملية الوحشية التي تجاوز عدد ضحاياها 2000 قتيل وجريح، منذ مساء الأحد وحتى اليوم، بحسب آخر حصيلة.

وكانت الخارجية الأمريكية، اتهمت روسيا، بأنها "مسؤولة" عن الهجمات وعن "الوضع الإنساني الرهيب في الغوطة الشرقية والحصيلة المهولة للقتلى في صفوف المدنيين"، ما دفع الكرملين إلى النفي قائلاً إنها "اتهامات لا أساس لها".

كما طالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الأربعاء، بالوقف الفوري للأعمال العدائية في الغوطة الشرقية، بما فيها القصف والهجمات بالمدفعية. وقال غوتيريس: "أنا حزين للغاية بسبب معاناة المدنيين في الغوطة الشرقية، 400 ألف شخص يعيشون في جحيم الأرض"، مشدداً على أن العالم لا يمكنه السماح باستمرار هذه "المأساة الإنسانية".

واستنكرت الأمم المتحدة كذلك، تعرض 6 مستشفيات للقصف في الغوطة الشرقية، معتبرةً أن أي اعتداء متعمد ضد مبان طبية "قد يرتقي إلى جريمة الحرب".

ومن جهته، ندد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين، بما قال إنها "حملة إبادة وحشية" ضد المدنيين المحاصرين في الغوطة الشرقية في سوريا، مضيفاً "القانون الإنساني الدولي صيغ بإحكام لوقف مثل هذه الأوضاع التي يذبح فيها المدنيون بشكل جماعي من أجل تنفيذ أهداف سياسية وعسكرية".

وكذلك أدان البرلمان العربي، والجامعة العربية، "القصف الوحشي المستمر الذي تتعرض له الغوطة منذ عدة أيام، وما خلفه من مقتل وإصابة مئات المدنيين"، بالإضافة لاستهداف وقصف المستشفيات والمنشآت المدنية.

تجدد القصف
وتواصلت غارات النظام السوري وطائرات روسية، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، حتى صباح اليوم الخميس، على مناطق في مدينة دوما وبلدة حزة، ليرتفع إلى 322 عدد القتلى بينهم 76 طفلاً منذ مساء الأحد الماضي.



وشمل القصف عدة مناطق منها بلدة كفربطنا وبلدة جسرين، ومنطقتي النشابية وأوتايا ومدينة عربين وزملكا ومسرابا وحمورية والأشعري، وبيت سوى وسقبا والأفتريس والشيفونية.

كما تسبب القصف الجوي المتجدد في ارتفاع عدد الجرحى لأكثر من 1710 جريح ، فيما لا يزال هناك عشرات المفقودين تحت أنقاض الدمار الذي خلفه القصف الجوي والصاروخي والمدفعي.
T+ T T-