الأحد 24 يونيو 2018

"كيفك ياليلى"، الشباب في المأساة

من مسحرحية "كيفك يا ليلى". (أرشيف)
من مسحرحية "كيفك يا ليلى". (أرشيف)


"كيفك ياليلى" لم تسع إلى أيّ اكسسوارات لتقشيب العرض. لقد اعتمدت على العرض نفسه بما فيه. العرض وحده كان كافياً لإحياء النصّ وتقديمه، والعرض وحده نجح في القيام بالمسرحيّة
"كيفك يا ليلى" التي عرضها مسرح المدينة في بيروت، هي أيضا مونودراما. ولوأحصينا المسرحيّات الأخيرة في بيروت لوجدناها في معظمها "مونو درامات" رغم ما تقتضيه المونودراما من مقوّمات تكاد تصل إلى التخصص، ورغم ما تتطلّبه من جمهور مدّرب عليها. لكنّ المسألة ليست هنا ولا هناك، فلا هي حكاية الجمهور ولا هي حكاية النوع، إنّها ببساطة حكاية التمويل والتدريب التي هي كلّ ما تبقّى للمسرح في لبنان، إذ ماذا يفعل مسرح فقير لا يتلّقى دعماً من أحد؟ ولا تمدّه الدولة بأيّ من أسباب البقاء. سيلجأ عندئذ إلى عصرالنفقات واعتماد أقلّها كلفة، لن يكون ذلك حبّاً في النوع ولا اختياراً. التدريب هنا ليس مطلوباً إلاّ في أقلّه. هنا أيضاً ينبغي تخفيض الكلفة إلى الحدّ الأقصى. كما ينبغي بالطبع فوق الممثل، الواحد أقلّ مدّة من التدريب وأقلّ وقت للعرض.

"كيفك ياليلى" لم تسع إلى أيّ اكسسوارات لتقشيب العرض. لقد اعتمدت على العرض نفسه بما فيه. العرض وحده كان كافياً لإحياء النصّ وتقديمه، والعرض وحده نجح في القيام بالمسرحيّة. لنعد إلى" كيفك يا ليلى" والمسرحيّة التي أدّتها الممثلة نيللي معتوق. كانت أكثر من شخص واحد، بل يمكن القول إنّنا كنّا طوال العرض أمام جيل يتخبّط، أفكاراً وقيماً وسلوكاً، جيل كامل في دوامة عاصفة نكاد معها ننسى أنّنا أمام ممثل وحيد. فقد كانت الأحداث تتوالى عرضاً، وعلى نحوملحمي، وكانت الممثلة الوحيدة تنهض بعبء كلّ ذلك وتقدمه لجمهور شعر منذ اللحظة الأولى بإتصاله بها. كما شعر بأنّه أمام اعترافات حميمة ومباشرة بحيث بدا التمثيل نفسه غير ظاهر والكلام المباشر عفوياً وحقيقياً بقدر جعل الجمهور يشترك في المسرحيّة ويندمج فيها.

من الغريب أنّنا لا نجد على كرّاس مسرح المدينة إسماً للمؤلّف حتّى ولو بإشارة. ليس المؤلّف حاضراً، ولو إفترضنا أنّ المسرحيّة تأليف جماعي لوجب أن يقال ذلك ولو بإشارة. لكنّ عدم ذكر الإسم بتاتاً، يوحي على الأقل بأنّ المؤلّف يريد، لأمر ما، أن يختفي وراء نصّه، أو أنّه على الأقلّ لا يريد أن يتحمّل تبعات النّص ويريد أن يتوارى وراءه. ,لو كان ميشال جبر هو المؤلّف لما أعاقه شيء عن ذكر إسمه. لذا لن يكون جنونيّاً أن نفكّر بنيللي معتوق ونحن نبحث عن المؤلّف. لا يهمّني أن أورد الأسباب، فالمسألة لا تخرج عن كونها حدساً. الممثلة في عمر بطلتها الإفتراضيّ، إنّها شابّة كما يفترض في البطلة أن تكون، ثمّ إنّ التمثيل لم يخلُ من لمحة شخصيّة. فقد كان على طول الخطّ اعترافاً، فيه من الإعتراف اللهجة المباشرة، كما أنّ فيه منه الإسترسال الذي ينفجر أحياناً في غضب عارم نكاد معه أن نحسّ بأنّنا أمام مونولوغ يصعد ويهوي. ثم إنّنا طوال العرض في نوع من مماهاة الممثّلة مع النصّ الذي تؤدّيه.إنّ لها هيئة وجسداً وصوتاً مما يطابق الدور ويتلبسه، بل نحن لانكاد نفرّق بينهما. قد يعود هذا إلى الحرفة والتدرّب، وهذا بحد ذاته كافٍ لتحقيق مسرحيّة أمتعتنا بقدرة صانعيها الإثنين ميشال جبر بصفته كاتب النص ومخرجه ونيللي معتوق الممثلة، على أن يباشرا عملاً خالياً من الحذلقة والتقشيب والمسرحة المبالغة.

قد لانجد سوى لبنان لمسرحيّة كهذه، ,فوراءها تراث من الجرأة وكسر الحدود. تكاد المسرحيّة تتحدّث عن جيل هو آخر الأجيال الشابّة وأحدثها.إنّه الجيل الّذي كسر الحدود وألقى في الحضيض بكل الموروث. تبدأ القصّة في الكاباريه والرقص والمتعة والتدخين بالطبع. هذه بداية تعقبها نهايات مريرة. لكن لا أحد يتّعظ أو يستخلص الدرس. هذا جيل أقرب إلى العبث لوعدنا إلى المفهوم السارتري. فما يريده هو الحريّة بأي نتيجة وأي عاقبة. إنّه عدميّ لا يؤمن بشىء ولا يردعه شىء. تبدأ ليلى مغامرتها مع الرجال، تمنح نفسها لمن يرضيها. ومن الرجال إلى الكوكايين وال اٍس دى والهيرويين وإكستاز وكل أنواع المخدرات... ثم إلى المساكنة سنوات مع شبان. في النهاية يبدو أنّ ليلى ارتدعت، طبعاً هنا إلى جانب المخدرات والكحول، هناك القراءة والثقافة. إنّها شريحة من حيل وليست الشريحة الوحيدة ولكن الأكثر تهميشاً والأكثر انعزالاً.
T+ T T-