الأربعاء 20 يونيو 2018

"كنيسة القيامة".. بانتظار الهجمة القادمة

شاب يصلي عند باب كنيسة القيامة المغلق.(أرشيف)
شاب يصلي عند باب كنيسة القيامة المغلق.(أرشيف)


اغلاق أكثر الأماكن المسيحية قداسة في وجه المصلين والحجاج الوافدين من مختلف مناطق العالم، يشكل بحد ذاته حدثاً استثنائياً، ويشير بقوة الى شراسة هجمة التهويد التي تواجهها العاصمة الفلسطينية المحتلة
الأحد الماضي (25/2/2018) أصدر رؤساء الكنائس في القدس رسالة لرعاياهم وللعالم أعلنوا فيها إغلاق كنيسة القيامة للمرة الثانية منذ عام 1948، احتجاجاً على قرار بلدية الاحتلال بفرض ضريبة الممتلكات على أملاك الكنائس الفلسطينية، ومطالبة الكنائس بدفع هذه الضرائب بأثر رجعي، والتي بلغت حسب بلدية "نير بركات" ما يقارب 190 مليون دولار، جاءت الرسالة بتوقيع بطريرك الروم الأرثوذكس ثيوفيلوس الثالث، بطريرك الأرمن نورهان منوجيان، والمطران فرانشيسكو باتون.

هذه هي المرة الثانية منذ عام "النكبة"(1948) التي تغلق فيها أبواب كنيسة القيامة، المرة الأولى كانت في أبريل (نيسان) 1990 من القرن الماضي، كان ذلك بعد أسبوعين من احتلال أفراد من الجمعية الاستيطانية اليهودية "عطيرت كوهنيم"، سيئة الصيت، لأحد أجنحة دير "مار حنا" المقابل للكنيسة، وبعد فشل كل الجهود والمساعي المبذولة لإخراج المحتلين من مبنى الضيافة في الدير.

إغلاق أكثر الأماكن المسيحية قداسة في وجه المصلين والحجاج الوافدين من مختلف مناطق العالم، يشكل بحد ذاته حدثاً استثنائياً، ويشير بقوة الى شراسة هجمة التهويد التي تواجهها العاصمة الفلسطينية المحتلة، والتي تشمل كافة مكوناتها.

احتجاج الكنائس هذه المرة لم يكن محصوراً في قرار "نير بركات" رئيس بلدية القدس المحتلة في فرض ضرائب على ممتلكاتها، "الأرنونة"، ومطالبتها بدفع هذه الضرائب بأثر رجعي عن ما يقارب ال 887 عقاراً تملكها الكنائس في أنحاء المدينة القديمة، ويعود معظمها إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت تملك في مرحلة ما يقارب ال 48% من مساحة القدس، ولكن لمواجهة سلسلة طويلة من الاجراءات المتراكمة التي تهدف الى مصادرة هذه الأملاك وكسر اتفاق تاريخي راسخ يقوم على اعفاء الكنائس من الضرائب، وفي سياق عرف عثماني يطلق عليه "الأستاتيكو" أو "الوضع الراهن" والقائم منذ القرن الثامن عشر.

جاء هذا القرار بعد الانتفاضة التي شهدتها الطائفة الأرثوذكسية في فلسطين ضد بطريرك الطائفة اليوناني "ثيوفيلوس" والمطالبة بعزله، إثر ظهور وثائق حول دوره في تسريب بعض هذه الأملاك لمؤسسات استيطانية، منظمة "عطيرت كوهنيم" على وجه الخصوص، الناشطة في القدس وضاحية "سلوان" والتي يمولها المليونير الأميركي اليهودي "أروفين موسكوفيتش".

الاحتجاج الذي اتسم باجماع ممثلي الكنائس هذه المرة، وصل إلى الشارع المقدسي بقوة وأحيط بالتفاف شعبي واسع تجلى في الصلوات الحاشدة أمام البوابة الخشبية المغلقة لكنيسة القيامة، وهو ما يذكّر بانتفاضة القدس ضد الاجراءات الأمنية الاسرائيلية والبوابات الإليكترونية التي نصبتها شرطة الاحتلال على مداخل المسجد الأقصى في صيف 2017.

في محاولة لامتصاص الاحتجاج والحد من اتساعه أصدر رئيس الوزراء الاسرائيلي "بنيامين نتانياهو" قراراً ب "تجميد القرار وتشكيل لجنة لدراسة الاجراءات والتفاوض حولها"، بالمقابل أعيد فتح بوابات الكنيسة بعد ثلاثة أيام من الاغلاق.

الاستجابة السريعة لتراجع سلطات الاحتلال الشكلي لم تكن مفهومة لقطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني، وحققت هدف هذه السلطات باعادة الأمور، شكلياً، إلى عاديتها، ولكنها، الاستجابة، لم تحقق الهدف الحقيقي من الاحتجاج الذي أعلنته الكنائس في رسالتها والقائم على إلغاء الإجراءات، بما فيها محاولات الاحتلال لتوفير غطاء "قانوني"، (من خلال مشروع قانون تقدمت به النائبة المتطرفة "راحيل عازاريا" جمعت حوله 40 عضواً من الكنيست)، يسمح لـ"الدولة" بالتصرف ومصادرة الأوقاف الكنسية، بحيث تبدو فكرة تحصيل "الديون" المتراكمة بعشرات الملايين وفرض الضرائب وسيلة للمساومة حول مبالغ مالية، بينما الهجمة الاستيطانية تعيد تجميع أذرعها بانتظار فرصة جديدة للانقضاض على المدينة.
T+ T T-