الإثنين 18 يونيو 2018

"الجهل" مفتاح الفرج!

صورة تعبيرية.(أرشيف)
صورة تعبيرية.(أرشيف)


لم يعد مستغرباً أن تجد إعلاماً يضج "بشخصيات" إعلامية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالإعلام، ومع ذلك حولتهم "أداة الصدفة وسطوة المال" إلى نجوم "ولكن في مجتمع دامس الظلام وكل مهاراتهم فقط "القهقهة المنفرة " على مسامع الجمهور
لم تعد هناك معايير تحدد صلاحية هذا الشخص أو ذاك للمنصب العام، فقد تراجعت قيمة المنصب العام الذي بات في بعض بلداننا العربية أقرب ما يكون للجائزة أو "لعربون محبة" أو ثمن لابتزاز ما، والملفت في هذا الأمر أنه كلما رجعنا للماضي سنجد أن رجالات الدولة كانوا أكثر ثقافة ونزاهة وقدرة على إدارة أمور الدولة وتحرراً من كل ما ذكرت، والحال ذاته ينطبق على كل من تبوأ منصباً عاماً، ومع مرور الزمن تراجعت "قيم الوظيفة العامة والمنصب العام"، وتحولت أقرب ما تكون للقيم الليبرالية المتوحشة (قيم وليم جيمس وشعار "دعه يمر")، أو الميكافيلية الشرسة ( الغاية تبرر الوسيلة)، فبعض من يتبوأ موقعاً عاماً بات يتعامل مع موقعه على أنه ملك خاص له وبه، وبالتالي لا يحتم عليه بأي حال من الأحوال النظر لما يجب أن يُقدم للمجتمع أو الدولة أو المؤسسة التي يتربع على رأسها، وهي حالة تعممت على أغلبية الأقطار العربية.

ولو حاولنا تفسير هذه الظاهرة لوجدنا أن السبب الرئيس لها هو الحضور الباهت للديمقراطية وهزاله مؤسساتها، وهو أمر ألغى مبدأ التمثيل وبالتالي المحاسبة وكرس الفساد وعلى كل المستويات، وفوق هذا وذاك أفرز طبقة سياسية جاهلة وفاسدة عطلت التنمية بكل مستوياتها وأنواعها.

هذه الظاهرة موجودة في معظم البلاد العربية ولكن لا ألمس أبداً أن هناك دولة أو نظاماً سياسياً مهتماً بمحاربة الثالوث المدمر ( الجهل والفساد والقمع)، وللتوضيح فالقمع هو الأداة التي تحمي الفساد وتنعش الجهل تارة باسم القانون وتارة بحكم السطوة على القانون، وبالتالي تحيل الدول والمجتمعات إلى حالات فاشلة يتفشى فيها الظلم وغياب العدالة الاجتماعية بالإضافة إلى (تسيد الجهلاء) للسلطة السياسية، وهذا "التسيد للجهلة" يجعل من بنيان الدولة والمجتمع أشبه ما يكون "بكعكة شوكولاته " موجودة في الشمس بعز الظهر بدلاً من أن تحفظ في الثلاجة.

من رحم هذا الواقع المرير ننتج أعداءنا ونخدمهم، ونحاول وبدلاً من مواجهته بشكل مباشر و"ثوري"، نلجأ وعند الضرورة القصوى إلى ممارسة "خداع الذات" من خلال تجميل الفساد باعتباره استثماراً، والقمع باعتباره عملاً وطنياً، والجهل باعتباره نوعاً من أنواع ثقافة العصر.

المجتمعات التي "يتسيد" فيها رجالات الثالوث المدمر، هي بالضرورة إلى نهاية واندثار، إن لم تثر على ذاتها وتنتفض على ذلك الثالوث من خلال إشاعة القانون وسيادته عبر نظام ديمقراطي دستوري، ومحاصرة الفساد بالشفافية وبالإعلام الحر، قد يقول أحدهم: ما هذا التنظير الفارغ ؟ أرد عليه وأقول انظر لنموذج سنغافورة أو نموذج ماليزيا وتايوان وفيتنام الشيوعية سابقاً أو حتى نموذج قريب منا نحن العرب هو النموذج القبرصي أو النموذج الجورجي كلها كانت رهينة للثالوث المدمر ولكنها أجهزت عليه، وأجهزت عليه عبر التغيير الذي ابتدأ بقرار وبخطة واضحة المعالم وانتقل من مرحلة إلى أخرى حتى انهيار المنظومة السابقة وبدء المنظومة الجديدة ببناء نفسها بهدوء وبثبات.

إن أبشع أنواع الفساد هو ذلك الذي يحميه قانون فاسد، وأبشع أنواع القمع هو ذلك القمع الذي تحميه شعارات وطنية أو دينية، أما أبشع أنواع الجهل فهو الجهل المغلف بـ"الخرافة" والمدعوم بالمال، وفي عالمنا العربي هناك نماذج كثيرة جداً لذلك، فهناك مقاولون وبعض التجار "لا يفكون الخط" يستثمرون في التعليم وتحديداً الجامعي منه وترى أن بعض هذه الجامعات التجارية تضم أساتذة ودكاترة في هذه "الصروح" جهلة بشهادات بدرجة دكتوراة أو ماجستير، حصلوا عليها من بلد عربي أو غير عربي عبر جامعة تجارية لا تمنح الشهادة لمن يدفع.

لذلك لم يعد مستغرباً في عالمنا العربي أن تجد نائباً لا يمثل أحداً لأنه جاء بالتزوير يتحدث عن المثل العليا والقيم الوطنية ويتحدث عن دولة القانون وسيادته وهو يعلم علم اليقين انه جاء بالتزوير، كما انه ليس مستغرباً أن تجد وزيراً أو رئيساً للوزراء عُين في موقعه وخرج منه لا يعرف عنه شيئاً ولا يعرف لماذا جاء ولماذا خرج ويحدثك وبثقة كاملة كرجل دولة!!

كما لم يعد مستغرباً أن تجد إعلاماً يضج "بشخصيات" إعلامية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالإعلام، ومع ذلك حولتهم "أداة الصدفة وسطوة المال" إلى نجوم "ولكن في مجتمع دامس الظلام وكل مهاراتهم فقط "القهقهة المنفرة " على مسامع الجمهور.

إنها مجتمعات "الثالوث المدمر"، تنتج نخباً هشة، وتتعامل مع أغلبية مغلوب على أمرها لم تعد قادرة على التفكير بالتغيير بعد أن بات الحلم البعيد لها هو مجرد "رغيف خبز" ليس أكثر!!
T+ T T-