الخميس 21 يونيو 2018

الهاربون إلى الأمام.. الحالمون بالدولة

فلسطيني يتأمل مستوطنة جديدة في الضفة الغربية (أرشيف)
فلسطيني يتأمل مستوطنة جديدة في الضفة الغربية (أرشيف)
عاتبني صديق (عاقل) على انحيازي لفكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية في فلسطين، معتبراً أن هذا الانحياز يعبر إما عن جنون أو عن خيانة في ظل الرفض الإسرائيلي لحل الدولتين وإنكار الحق الفلسطيني في دولة مستقلة.

ليس لدى الفلسطينيين الآن إلا أنفسهم، وما يشكله وجودهم على الأرض كشعب محتل من إحراج للعالم. ولا يمكن النظر إلى هذا الوجود باعتباره تفصيلاً صغيراً أو حالة عابرة، لأنه الحقيقة الوحيدة المؤرقة للاحتلال وأصدقائه
يرى صديقي (العاقل) أن تبني حل الدولة الواحدة ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية الرافضة للاستقلال الوطني الفلسطيني، ويضيف أن المروجين لهذا الحل إما هواة سياسة أو طابور خامس.

لا يغضبني التصنيف، ولا يستفزني الاتهام، لأنه مدفوع بإحساس وطني نقي، وتوق إنساني طبيعي إلى المواطنة وتجلياتها الكثيرة ورمزية تحية العلم الوطني وحمل جواز السفر والاعتداد بالهوية الجهوية في الدولة الضيقة، وأعرف أن الفلسطيني، كان ولا يزال يحلم بهذا الحق في دولة مستقلة، مهما ضاقت حدودها.

لكن انسداد الأفق أمام هذا الحل الناقص الذي يحرم الفلسطيني من حرية العيش والحركة في 78 بالمائة من أرضه، والاقتراب من استحالة إقامة الدولة في ظل موازين القوى الحالية والانحياز الأمريكي – الغربي لإسرائيل، وحالة الضعف الفلسطيني البائن والابتعاد العربي المتسارع حتى عن الخطاب الداعم لهذا المشروع التسووي يجعل الحديث عن حل الدولتين بلا معنى.

وبعد أكثر من عقدين من الالتزام بالنهج التسووي يصل الفلسطينيون إلى قناعة مؤسسة على خبرة التجربة بأن لا مكان سياسياً لهم في الإقليم المراد رسمه بالقلم الأمريكي، وبأن الدعم الإقليمي والدولي لقضيتهم الوطنية العادلة لا يتجاوز حدود المجاملة والتوظيف الدعائي لحكومات لا تستطيع المجاهرة برفضها لحق شعب كامل في الوجود السياسي.

ليس هناك ثغرة، ولو صغيرة، في جدار الصد للمشروع الوطني الفلسطيني، ولم يعد هناك أمل في استنهاض المنطقة لحمل مشروع الاستقلال الوطني الفلسطيني ودعمه والضغط لتحقيقه.

وليس لدى الفلسطينيين الآن إلا أنفسهم، وما يشكله وجودهم على الأرض كشعب محتل من إحراج للعالم. ولا يمكن النظر إلى هذا الوجود باعتباره تفصيلاً صغيراً أو حالة عابرة، لأنه الحقيقة الوحيدة المؤرقة للاحتلال وأصدقائه، وهو السلاح الوحيد المتبقي للفلسطيني، بعد انخراط قيادته في مشروع الاستقلال الصوري، وتخليص الاحتلال من التزاماته تجاه من يسطو على أرضهم، بل والتطوع لحماية أمن الاحتلال بأدوات شُرَطية ملتزمة بقمع المقاومة.

إسرائيل ترفض بالطبع حل الدولة الواحدة، لأنها تعرف أنه لن يكون في صالح المكون اليهودي مع مرور الزمن، وهي أيضاً تتهم الإسرائيليين الداعين إلى الدولة الواحدة بالخيانة الوطنية وتصفهم بأنهم طابور خامس.

لكن العالم الذي لا يستطيع تمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة، لن يستطيع أيضاً رفض توجههم لقبول مشروع الدولة الواحدة لأن ذلك يعني في النهاية إنكار حق شعب كامل في الوجود.

أما شكل الدولة فهو سيخضع بالضرورة لحيثيات الراهن السياسي ولتغيرات المستقبل، وهو في كل الأحوال لن يحرم الفلسطينيين من حقهم في حلم أوسع من حلم الدولة الضيقة في حدود 67.

ولعل الدولة الواحدة المتخيلة أكثر تعددية واتساعاً من "ثنائية" القومية، إلا إذا سلم الفلسطينيون بأن اليهودية قومية وليست ديناً فقط، وهذا أمر يصعب التسليم به، وتنفيه الحقيقة، حيث أن دولة الاحتلال القائمة الآن هي كيان متعدد القوميات، وربما يعني ذلك أن العرب سيشكلون بالضرورة أكبر قوميات الدولة الواحدة.

قد يبدو هذا الطرح نوعاً من الهذيان السياسي الناتج عن فقدان الأمل في الحل التسووي التقليدي البائس والفاشل منذ أوسلو وحتى اللحظة السياسية المعتمة، لكن كثيراً من الحلول الخلاقة التي اجترحتها الشعوب بدأت بهذيانات شبيهة تحولت إلى أحلام قابلة للتحقيق.

أدعو للجرأة في الطرح، والخروج من صناديق التسويات الفاشلة.





T+ T T-