الجمعة 22 يونيو 2018

عودة فلسطينية الى شعارات الحرب الباردة

الرئيس الأمريكي دوتالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيف)
الرئيس الأمريكي دوتالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيف)
بالغت الطبقة السياسية الفلسطينية، في الحديث عن القطيعة النهائية مع الأمريكيين، وبدأ وجهاء هذه الطبقة حملة تذكرنا بسنوات الحرب الباردة، التي كانت فيها أمريكا الشيطان الأكبر، وكان الثوريون الفلسطينيون والعرب، يراهنون على انقراض هذا الشيطان لمصلحة سيد اليسار الدولي الذي هو الاتحاد السوفييتي.

لا الروس ولا الصينيون ولا أي دولة على وجه الأرض، بما في ذلك الكثير من الدول العربية والإسلامية، مستعدون للدخول في معركة مع أمريكا، خصوصاً في أمر المرجعيات والمسارات
ومن يراجع أدبيات تلك المرحلة، يقرأ جملاً كانت في حينه عناوين برامج سياسية لقوىً وأحزاب ودول، ومع مرور الوقت تبخرت هذه الجمل، فإذا باليسار الدولي ينقرض على نحو نهائي، وإذا بسيده " الاتحاد السوفياتي" يستقيل من موقعه مؤثراً اللحاق بالمعسكر الغربي، لعله يجد فيه الحل الفعّال للكوارث الاقتصادية والمعيشية التي عانى منها سيد اليسار والكواكب التي تدور في فلكه، والتي كان اسمها المنظومة الاشتراكية.

كان درساً قرأه واستفاد منه كل الذين ينشدون مصالح بلادهم، ويبحثون عن مكان لتحالف يخدم هذه المصالح، بعيداً عن الشعارات والجمل التي، وإن سادت في زمن الحرب الباردة، إلا أن تردادها الآن يثير السخرية.

غير أن الفلسطينيين ومن خلال طبقتهم السياسية الخالدة المخلدة، لم يحاولوا إلاستفادة من كل أو حتى بعض ما حصل، فبعد تجربة طويلة الأمد دامت عقدين من الزمن مع الأمريكيين، وبعد أن رهنت هذه الطبقة كل شؤون الشعب الفلسطيني على احتمال عدالة أمريكية في العلاقة بينهم وبين إسرائيل، أخفقت هذه الطبقة في الرهان، وأدى هذا الإخفاق إلى الكفر بأمريكا وإعادة التذكير بتحيزها لإسرائيل، وعدم جدارتها بقيادة العملية السياسية، ما أظهر جهلاً في فهم طبيعة وعمق العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية، وما أظهر أيضاً سذاجة في قراءة السياسات والمواقف.

بعد ما وصف "بصفعة القرن" ومغالاة ترامب في تقديم المزايا لإسرائيل، وإعلانه رفع القدس عن جدول الأعمال والشروع في تصفية قضية اللاجئين، بدأ التفكير في نبش الدفاتر القديمة، والطلب من دول العالم أن تساعد على طرد أمريكا من عملية السلام والحلول محلها والمرشحون هم روسيا والصين والبعض ذهب حد القول إيران كذلك.

لا أحد يلوم الفلسطينيين في غضبهم الشديد على سياسات وقرارات الرئيس ترامب، ولا أحد يلومهم عندما يعترفون في وقت متأخر، بأن أمريكا ليست وسيطاً نزيها بينهم وبين إسرائيل، ففي السياسة تعتبر كلمة النزاهة مجرد طلاء لأبشع أساليب العمل السياسي، إلا أن الفلسطينيين يلامون حقاً وأعني هنا الطبقة السياسية الممسكة بالقرار الرسمي، حين يتصرفون كما لو أنهم يملكون قدرة على تغيير المرجعيات واقصاء دولة عظمى عن دور في عملية من صنعها، واستبدال هذه الدولة بخصومها دون تدقيق في القدرة على تنفيذ ذلك.

مواقف الدول والتحالفات لا تبنى على الرغبات والاستنتاجات، فقبل أن تقترح موسكو وبكين مرجعيات لعملية سلام، كان ينبغي أن يؤخذ رأي من تم اقتراحهم ، وأن ُيسألا الى أي مدى يستطيعون مساعدة الفلسطينيين في تغيير المرجعيات وتعديل المسارات، فلا الروس ولا الصينيون ولا أي دولة على وجه الأرض، بما في ذلك الكثير من الدول العربية والإسلامية، مستعدون للدخول في معركة مع أمريكا، خصوصاً في أمر المرجعيات والمسارات، فأقصى ما يريده هؤلاء هو أن يحاطوا علماً بما يطبخ في البيت الأبيض، وأن تسند إليهم بعض المهام في سياق تنفيذ السيناريوهات الأمريكية حين تطرح.

الخلاصة أن كل العالم يتفهم غضب الفلسطينيين وشعورهم بالخذلان من الأمريكيين، إلا أن أحداً من الذين يتفهمون لن يتبنى ما يطرحه الفلسطينيون. 
T+ T T-