الجمعة 21 سبتمبر 2018

مقتلة الغوطة



الإرهاب ماض ينشر الرُّعب دون تمييز بين محاربين ومدنيين، والإرهابيون يواصلون تخريب الأخضر واليابس، كأنَّهم ما رأوا أو سمعوا كفاحاً يُشنُّ ضدَّهم!

وعلى كثرة أسباب هذه المفارقة، فإن أقواها هو أن ثمَّة بين الدُّول التي ما تنفكُّ تتواثق، ليل نهار، على "مكافحة الإرهاب"، مَن تندرج، في حقيقتها، ضمن أكبر رعاة هذا الإرهاب! فما مِن إرهاب فردي أو عصبجي، على نحو أو آخر، إلا وبرَّر نفسه بكونه ردّ فعل لـ "إرهاب دولة" ما!

لا نرمي بقولنا هذا لاختلاق عذر لهذه الظاهرة التَّدميريَّة. إنَّما هو شئ مِن الضوء نسلطه، في مدخل هذه المقالة، على جانب غير مطروق مِن هذه المشكلة، وهو «إرهاب الدَّولة»، في الوقت الذي تُسلط فيه الأضواء كلها على إرهاب الأفراد والعصابات.

«إرهاب الدَّولة» يستحقُّ أن يُسلط عليه أشدُّ التَّركيز، كونه في تفاقم مطرد، من روسيا إلى سوريا، ومن أمريكا إلى ميانمار، حتَّى لتصحُّ إعادة النَّظر في التَّعريف المدرسي لـ "الدَّولة"، ضمن كتابات أبرز علماء الاجتماع، كماكس فايبر وغيره، بأنها "مؤسَّسة العنف المشروع"!

خطورة هذا التَّعريف تكمن في إمكانيَّة تأويله، بحسبانه يخصُّ مؤسَّسة "الدَّولة" وحدها برخصة عامَّة تحت هذا العنوان المهيب: "العنف المشروع"، بصرف النَّظر عمَّا إن كانت أو لم تكن ثمَّة قيم تقيِّد هذا العنف عن الانزلاق إلى ضرب من "الإرهاب"! وعلى ذلك تترتِّب ظلامات لا يتعاطى معها كلُّ الضحايا، بالضَّرورة، وفي كلِّ مرَّة، بالسُّلوك السِّياسي السِّلمي، أو بالمجابهة العسكريَّة المنضبطة، علماً بأن كليهما، على راديكاليَّته الرَّاجحة، قد يتَّخذ نهجاً لا يرفضه القانون الدُّستوري، ولا القانون الدَّولي العام. لكنَّ البعض قد يلجأ إلى "الإرهاب" الانتقامي العنيف، المضاد، المتطرِّف، المنفلت من عقاله. وهذا هو، بالتَّحديد، النُّوع الذي يتولد، في الغالب، كردِّ فعل على "عنف الدَّولة"!

وإذن فإن هذا العنف الذي خصَّه علماء الاجتماع، وحده، ب «المشروعيَّة»، قد يبلغ حدَّ "الإرهاب" الذي لا يفترق في قسوته عما ترتكبه الجماعات الإرهابية ! ولعلَّ أبلغ مثال على ذلك هذا الحصار القاسي، اللاإنساني، المتواصل لسنوات طوال، على منطقة الغوطة الشَّرقيَّة وسكَّانها البالغ عددهم زهاء 400 ألف نسمة.

فتحتَ هذا الحصار ظلت هذه المنطقة هدفاً لقصف جوِّي، وقصف بالمدفعيَّة، حتَّى في ساعات "الهدنة الإنسانيَّة" الخمس التي أعلنها الرَّئيس الرُّوسي فلاديمير بوتين، مؤخَّراً، من التَّاسعة صباحاً إلى الثَّانية بعد الظهر، لفتح «ممرٍّ إنساني» لخروج المدنيين، وإسعاف الجَّرحى منهم. فرغم أن هذه الهدنة التي لم يبدأ سريانها في 27 فبراير(شباط) المنصرم، كما كان ينبغي، غير معلومة المدى، إلا أنها، على عوارها البادي هذا، ظلت تتعرَّض للخرق المتواصل من جانب القوَّات الرُّوسيَّة والسُّوريَّة والجماعات المسلحة على حد سواء، حتَّى لقد أكَّدت المصادر أن أحداً من المدنيين لم يتمكَّن من التَّسلل خارج المنطقة، أو تلقِّي أيّ نوع من الإسعافات.

ولإعطاء فكرة عن حجم الرُّعب المسلط على الغوطة الشَّرقيَّة، تشير الإحصاءات إلى أن عدد القتلى تجاوز، خلال أقلّ من أسبوعين، 520 شخصاً، والجرحى 2500. وبحسب توثيق الشَّبكة السُّوريَّة لحقوق الإنسان فقد شهد الأسبوع الذي أعقب صدور القرار الدَّولي رقم/2401 في 24 فبراير، والمطالب بهدنة إنسانيَّة لمدة ثلاثين يوماً، مقتل 146 مدنيَّاً، بينهم 38 طفلاً و21 امرأة.

أمَّا من جهة المرصد السُّوري لحقوق الإنسان فقد شهدت السَّاعات الممتدَّة، فقط، من منتصف ليل الجمعة 2 مارس (آذار) إلى صباح السَّبت 4 مارس، 40 غارة على مناطق متفرِّقة في الغوطة الشَّرقيَّة، كحرستا ودوما وغيرها. وأمَّا في الإحصاءات الإجماليَّة، حسب المصادر، ونحن نكتب بالأربعاء 6 مارس، فقد بلغ عدد القتلى، خلال الأيَّام المنقضية منذ منتصف فبراير المنصرم، 800 قتيل، بينهم زهاء مئتي طفل، في بقعة أرض مساحتها 100 كلم مربع تخضَّبت، تماماً، بالدَّم البشري.

هكذا ترسم المشهد اليومي في الغوطة الشَّرقيَّة، وبالأساس، الغارات لا يتوقف دهم طيرانها، ومدافعها،، للأحياء المدنيَّة، بل لمدنيين عُزَّل لاذوا، منذ أكثر من شهر، بباطن الأرض، دون طعام أو ماء، واستغاثات المحصورين بين ألسنة اللهب، وتحت ركام الأنقاض، مع أبواق سيَّارات الإسعاف تشقُّ طريقها بالكاد وسط خرائب كانت، إلى وقت قريب، عمراناً أضحى، الآن، أثراً بعد عين. فلئن كان هذا ما يحدث، ففيم، تراه، يفترق عن "إرهاب داعش"؟! 
T+ T T-