الأحد 15 يوليو 2018

"العمارة والأسطورة والروحانيات".. قصة كل حجر مزج بدم بشر

عاش المهندس والأكاديمي والفنان العراقي، د.طه الدوري، حكاية شغف وبحث استمرت لأكثر من عشر سنوات، كان فيها ينقب عن ما خلّفه كاتب اعتبر قامةً عاليةً في تطور العمارة الإنجليزية من خلال نظرية العمارة وأفكارها، أكثر مما كان من خلال البناء، تاركاً كتاباً عاش في الذاكرة أكثر مما توقع هو له، كتاب "العمارة والأسطورة والروحانيات" لمؤلفه "وليم ليثابي"، والذي يعد من أحد أبرز إصدارات مشروع "كلمة".

والمؤلف وليام ليثابي، المولود في بارستابل عام 1857، انتقل عقب قضائه مدة تدريب في مكتب مهندس معماري محلي إلى لندن عام 1879، وقُدّر له لقاء جون راسكن ووليم موريس، ليغدو شخصية ذات شأن في حركة الفنون والحرف، حتى انتُدب في 1896 مديراً مشاركاً للمدرسة المركزية للفنون والحرف الحديثة.

وبحلول 1900 أصبح ليثابي أول أستاذ للتصميم في الكلية الملكية للفنون، وعمل بين عامي 1906 و1928 مسّاحاً في دير ويستمنستر، لكن كتابه "العمارة والأسطورة والروحانيات"، الذي أنجزه عام 1891، جعله صاحب فكر سبق به الكثير من المعماريين، بل بمثابة المحاولة الوحيدة لإرساء قواعد بعض المفاهيم المشتركة من وجهة نظر المهندس المعماري في عمارة العديد من البلدان والأديان.

وفي روايته لرحلة البحث عن الكتاب، يقول الدوري:" ..طالما بحثت عن نسخة من كتاب" ليثابي" في مكتبات بنسلفانيا ونيويورك وواشنطن، وقد سبق ذلك انفتاحَ دروبِنا على طريق المعلومات السريع، حين كان البحثُ لازال رهناً بالرفوف المكتظة، وأتربة الزمن، والفكر العبِقِ بعبير الورق المصفر، ووجدت وقتها أن النسخة الوحيدة من هذا الكتاب مفقودة، فتملكتني الحسرة وعاد الشوق في نفسي لقراءة كتاب تسابق الكل لاقتناصه و اقتنائه في أنانية أباحها تفردُ مضمون الكتاب و تميزه، وتبعثر بحثي بين النسيان و الحنين حتى علمت بإعادة طباعته ووجوده في الحيز العام".

ويضيف الدوري: "ما إن وقعت عليه يدي حتى دخلت عوالم أرى أني لليوم لم ألم بمعظمها، ومن ثم تقدمت بالكتاب لمشروع " كلمة" في نوع من المبادرة وأيضاً لإعجابي بهذا المشروع لريادته في اختيار ما يناسب القارئ العربي المعاصر، وجاء قبول اقتراحي لهذا الكتاب توكيداً لإيماني بمشروع "كلمة" (حيث تُرجم العمل) وأهمية هذا الكتاب، واقتناعي بمقومات الريادة في إحياء وتحديث الترجمة في الفكر العربي المعاصر، وحين شرعت في ترجمة الكتاب كنت مدفوعاً برغبتي الخالصة لإتاحته لغيري ممن قد يهتم أو يتفاجأ به، ليدخل غيري عوالم هذا الكتاب الذي لم يكن متاحاً لي فيما مضى".

أصل الكينونة
وإذ كانت العلاقة بين العمارة والفلسفة جدلية، حيث تلك الأخيرة ليست علماً تطبيقياً، ولا يضيرها عدم اقترانها بالمحسوس المصنوع، إلا أن لها الشيء الكثير في بث طمأنينة مجردة في جنبات النفس، بعيداً أحياناً عن قنُوط حدود الواقع إلى رحابة السؤال والرؤى.

ويرى ليثابي في كتابه" العمارة والأسطورة والروحانيات" أن العمارة لا تستقيم دون الفلسفة، وتحتاج لها حاجة الإنسان للهوية وحاجة الجسد للروح لتخلق فيض الحيوية والإبداع، ناهيك عن مخاطبة الآخر عموما، وليس بما هو مألوف ضرورة، فالعمارة برأيه فن تشكيلي يستنير بالمجرد والروحاني وقصص الأساطير والوجود الإنساني، ويستحيل دونه خدمة متواضعة للجهل والمادة، فبينما مآل العمارة في تصميم المكان مغروسة في أديم الأرض وقلب المجتمع، إلا أن منشأها محلق في فضاء الفكر المجرد، ويعتبر ليثابي ذلك فناً له ما لأعظم الفنون وأغناها من سمات الحرية والدهشة.

ليثابي والترميم
وبهذا الطّرح يرى ليثابي أن تلك الفكرة استقرت عند جذور الفكر المعماري العام منذ الأزل، فيطرح العلاقة المتأصلة، سابقة الذكر، حيث "الفكر المعماري أصل الكينونة للبناء وسره فيه كما سرّ الرّوح في الجسد"، هنا يوضّح الفرق الشاسع بين البناء والعمارة، إذ برأيه هما أمران منفصلان تماماً وإن تداخلا في المكان والزمان، وإن تفرقت بهما السّبُل أحيانا أخرى، فالعمارة فكرة تتجسد بناءً وتحيا بها الثقافات والأمم، و بالأخص الأهم، الذكريات، فلا تستقيم الذاكرة الجمعيّة لأية حضارة بلا عمارتها التي تنسج بين الأرض و السماء قصصاً، وتراكمات ثرية بالإلهام، ومُثقلة بكافة الاحتمالات.

ذلك أن مكنون العمارة يبقى دوماً الاحتمالات، ولا يكوّن أبداً حقائق ثابتة جامدة قاطعة، المبنى - أي مبنى - مناسبة للتأمل ولتصور ما كان و ما يكون اليوم بين جدرانه، وما قد يكون ذات يوم، بلا يقين أو جزم، وتبقى العمارة هي الفكرة التي تصوغ تلك الاحتمالات وإن بقيت إلى ما شاء الله كما هي: "احتمالات تلهب الخيال وتنعش الذاكرة، وتغذي الحنين الى الذكريات".

وبالرغم من انحدار ليثابي من خلفية حرفية بين تصميم الأثاث والمنتجات الصناعية بالإضافة للمباني، إلا أنه أظهر اهتماماً مُبَكّرا بترميم المباني القديمة، وانتسب منذ بدء حياته المهنية إلى جمعية" حماية المباني التاريخية" حيث تخطّت فلسفة الترميم حدود الإصلاح إلى آفاق من الارتقاء بالمباني القديمة الى حال تفوق ما كانت عليه في أوج حداثتها، ويبرر هذا الاهتمام بالترميم دراية ليثابي الشاملة في علوم العمارة و التصميم التي فاقت ما يُنتظَر من شاب في مطلع الثلاثين من عمره، حين كتب كتابه هذا، لكن شمول الموضوع و طموحه البارع لم يخفيا محدودية المصادر وميل العمل للتكهن في التعبير والإبداع الأدبي فوق ما فيه من بحث أكاديمي بالمفهوم التقليدي، بيد أنه يبقى مُميّزاً وسباّقاً بقدر مُذهل.

الهرم الذهبي.. و"حزقيال"
ويشير الدوري إلى اختيار الهرم كلوحة الغلاف التي رسمها بنفسه، باعتباره من الرموز القليلة التي تلتقي عندها الحياة بالموت، فالمفهوم الفرعوني للهرم كقبر لا يكاد يلامس سطح المعنى الكوزمولوجي ( علم الكون الفيزيائي) لهذا الشكل، الذي يبقى موضع دراسات لا تنتهي من حيث قدراته الفراغية و تأثيره على المحيط، بالإضافة لجمال تكوينه و تفرده البصري، وقد ارتبط أحيانا بالجبل الأسطوري الذي فصل السماء عن الأرض في بعض أساطير الشعوب عن أصل تكوين عالمنا.

وبالانتقال إلى جوانب أخرى من الكتاب عرض الدوري صُوَرًا عدة توضح ما وجده ليثابي عن البدايات، حين تكلم مثلاً عن طقوس حركة الإمبراطور في الصين داخل ما يعرف بقاعة التميز وبنائها، حيث كانت بمسقطها المربع مجالاً يتحرك فيه الحاكم مع حركة الشمس داخل تلك القاعات ذات الأربع بوابات احتفالية تواجه الجهات الرئيسية في خطوات تردد تعاقب الشهور والتقسيمات الجزئية للزمن، حيث يشرح الزمن باعتباره تجزئة تقرّب الأبديّة من الإدراك الإنساني المحدود بطبيعته بمفاهيم البدايات والنهايات، فكما الحال في اجتزاء الأبدية إلى وحدات زمنية نُدركها، ونُسميها سنوات وشهور وأيام وساعات ودقائق و ثوانٍ، هدفت المباني الأولى عند التعبير عن المغزى الديني إلى تمثيل المعبود في مستقره السماوي أو الأرضي أو بالإجمال الكوني، بحسب ما ساد في زمن أو مكان من معتقد أو فكر.

ولمزيد من التوضيح يقول ليثابي في كتابه: ".. مازال توجيه المعابد قِبَل الجهات الأربع سمة عابرة للزمان والمكان، فرؤية النبي حزقيال (Ezekiel) في العهد القديم للمدينة المثالية، وهي مربعة المسقط بثلاثة أبواب على كل ضلع، لا تختلف في خطوطها العريضة عن مدينة بكين الصينية كما وصفها ماركوبولو، وكذلك هي الحال في مركز بورما، وهذه سمات عالمية استمرت وتدرجت واتسعت فالبداية دوما من الشرق ـ وهذا ناموس كوني حيث يبدأ اليوم بالشروق- ويأخذ كل ضلع من المربع عدداً فردياً من الأبواب، في الغالب ثلاثة كي يكون للتكوين مركز كان فيه الباب الأوسط باباً ملكياً في البداية، تطوّر لاحقاً إلى باب رسمي يدخله صاحب الشأن سواء كان حاكماً أو رجل دين أو شخصية محورية في مراسيم احتفال ديني أو وطني ..".

ويشير بعدها إلى معبد التوب أو "الستوبا"، ذلك المعبد البوذي الذي يمتاز باتساقه مع دور عبادة أخرى في هندسته القائمة على قبة تطفو على سطح الماء كالفقاعة أو الجرس المقلوب، تتردّد في جنباته الابتهالات كما العواطف، فيما لا يختلف في جوهره عن هياكل بابل والمكسيك كصروح لعبادة فطرية نشأت في النفس مع بدايتها.

النسران.. والبيضة
وانطلاقاً من العبادات كانت فكرة التوجه لمركزٍ ما سواء في الصلوات أو في تحديد المركز السياسي للدولة، حيث اختار الإله "تموز" بابلاً مركزاً للعالم، بينما اتخذت دلفي هذا الموقع بالنسبة لبلاد الإغريق لوقوعها في "بارناسوس"، وهو جبل له في الأدب الإغريقي ما لجبل نوح في التراث العالمي، حيث نجا مَن استقر فوقه من طوفان كبير في نهاية العصر البرونزي.

ويذكر الدوري جانبا آخر من أبرز ما جاء في الكتاب قائلا :" ..وقد تم تحديد مركز الأرض في دلفي - كما تروي الأسطورة-- حين أرسل "جوبيتر" نسرين شرقاً وغرباً طافا الأرض والتقيا عند تلك البقعة التي أصبحت "معبد دلفي"، وهو التكوين الذي وصل إلينا على قطعة رخام ما زالت في مدينة "إسبارطة"، ومن هذا التكوين تنوّعت أشكال عديدة للنسرين والمركز بينهما، أو كما تسمى "سُرَّة الأرض"، وأحياناً بقي المركز واختُصِر النسران في نقوش على البيضة".

وكما قام معبد دلفي حول موقع ذي مغزى ديني أو قائم على العقيدة، كان معبد" بعل" في بابل، وفي هذا السياق يورد ليثابي مسجد قبة الصخرة في القدس كمثال مماثل على معبد قائم على موقع مقدس أو قمة صخرية مباركة، ذاكراً أن القدس هي أولى القبلتين، ثم يطرحها كقبلة للمرة الثانية في آخر الزمان، حين يأتي الحجر الأسود من مكة كعروس لقبّة الصخرة في القدس الشريف".

شجرة السماء
ترافق فكرة مركز الأرض ما يذكر عن الشجرة التي نمت من مركز الأرض لترفع قبّة السماء إلى مكانها، والتي أخذت أكثر من شكل جمالي، فهي شجرة حيناً، وحامل شموع حيناً آخر، وهي أيضاً جذع ذهبي تفرّع وحمل في فروعه أوراقا و ثماراً من أحجار كريمة توزعت و تلألأت بنور النجوم و الكواكب، وقد يعود هذا لكون تراث الشعوب زخر بالصلات المعنوية والكونية بين الأحجار الكريمة والألوان والكواكب و مداراتها، ويقول ليثابي: .. فالشمس هي الذهب والشباب، والقمر الفضة والطفولة، والمريخ هو الحديد والرجولة، وعطارد الزئبق والصبا والمشتري القصدير والعمر، والزهرة النحاس والمراهقة، وزحل الرصاص والشيخوخة".

ويتابع قائلاً: "حامل الشموع ظهوره في التوراة كما ظهر في النخلة البونزية في معبد دلفي، وقد اقترن المركز دوماً بالحاكم أو رأس الدولة، وهو في ذات الوقت رمز وحدتها الوطنية وقلب استقلالها الإداري عمّا جاورها، وهو ما حدّد صورة كرسي الحكم أو العرش".

المتاهة.. والدرجات السبع
ويشرح الدوري: "في الطرح الموجود ف كتاب لثابي، تؤدي الدرجات دوراً مباشراً وآخر رمزياً، فمن ناحية ارتفع العرش فوق الجميع، ومن ناحية أخرى تحددت الدرجات بسبع، وهو تقليد استمر حتى العصور الوسطى، محاكاة لتصور تقليدي لعرش الجلالة المستقر على سبع درجات دائرية متناقصة المساحة وتكوِّن بالنسبة للأرض قبة السماء".

وبالإبحار أكثر في لجى الرموز المذكورة في الكتاب يأخذنا ليثابي إلى المتاهة، فمن رمز مرصوف في أرضيات الكاتدرائيات في إيطاليا وفرنسا وألمانيا إلي تقسيمات فراغية فعلية في القصور وأخرى جمالية في حدائق القصور، وكانت المتاهة حاضرة في المكان تخدم في الغالب الأعم هدفاً روحياً في إشارة لطقوس رقص، كما الرقصة الهندوسية أو ما شابهها من رقصات في المكسيك، ولكنها كذلك موجودة في بعض المسكوكات الإغريقية القديمة، ولعل أشهر متاهة على الإطلاق هي تلك الأسطورية الي كانت في قبو قصر الملك "مينوس" في "كنوسوس" في كريت، حيث عاش المسخ الأسطوري (الميناتور) -مخلوق بجسم ثور ورأس رجل- والذي كان يقتات على أعداء الملك، وهناك دارت أسطورة "ثيسيوس"، وهناك تقرر إلقاؤه للميناتور، حين وقعت "آريادني" ابنة الملك في حبه وأعطته خيطاً دخل به المتاهة مسلحاً بسيف، بينما امسكت هي بطرف الخيط ليستدل طريقه فيما بعد حين يصرع الوحش، ويتمكّن من الخروج من المتاهة بتتبع الخيط إلى الحياة، والنهاية السعيدة مع الأميرة".

قرص الشمس
وفي فصول أخرى من الكتاب رأى ليثابي أنه من أكثر الرموز المعمارية الكونية مباشرة في التعبير عن مضمونها هو رمز قرص الشمس، الذي يعلو البوابات الشرقية في المعابد الفرعونية ومعابد أمريكا الجنوبية وغيرها.

وكأحد الأمثلة للاستخدام التقليدي لقرص الشمس في بلاد الشام هو القرص الذي يعلو مداخل بعض الأماكن المقدسة، و بالرغم من كون هذا التراث في مجمله تراثاً مسيحياً إلا أن قرص الشمس يبدو محاطاً بالأفعى الفرعونية كزينة تظهر كجزء من تشكيل غدا شائع الاستعمال في الفن البيزنطي والإيطالي، و يربط ليثابي بين أقصى الأرض و أدناها مبيناً التماثل التصميمي بين بوابات المعابد البوذية ونظيرتها الفينيقية وإن تفاوتت التفاصيل.

وبناء على مسيق يقول الدوري: "من المهم عند قراءتنا لكتاب ليثابي أن ندرك أن العمارة تمثيل للكون، فنزعة الإبداع لدى الإنسان أصيلة و غريزية وأساس في تكوينه كما البقاء والعبادة، لكن الإبداع بطبيعته هو الأكثر التصاقاً بالكون كنموذج، ومهما اعتقد أن نواة عمل إبداعيٍ ما ذاتية.. لا مفر من الاعتراف بأن جذور الابتكار الإنساني ضاربة في الطبيعة و تكويناتها مع تفاوت في أسلوب الطرح و درجة المباشَرة في الاقتباس من الأصل الطبيعي للأشياء، فمثلاً يصف ليثابي الأرضية الرخامية في أحد ممرات كنيسة آيا صوفيا حيث تمت مواءمة بلاطات الرخام، بحيث استمرت تموجات الرخام بين بلاطة وأخرى بما يحاكي أمواج البحر".

إلهة السماء عند المصريين
وتتكرر في معابد قدماء المصرية فكرة رصف السقوف بالتزجيج، وتلوينها بالطلاء الأزرق، وقد تناثرت عليه النجوم في تمثيل مباشر للسماء، وأحياناً كان التمثيل أكثر رمزية من خلال إلهة السماء" تبه"، وقد تمددت بحيث غطّى جذعها السقف وارتفع ساقاها على طول الجدار، في حين تدلّت يداها نزولا على طول الجدار المقابل، وفي كثير من الأحيان يتدلى فانوس من مركز الحجرة، أو مركز المعبد، ومركز الكون، وهو في هذه الحالة واقع تماماً عند مركز جسد الإلهة في موضع السُرّة، وهذا ظهور آخر للبيضة أو كرة النور أو مركز الخصوبة، وهي في ذات الوقت الفانوس مركز النور.

من ناحية أخرى يرى ليثابي على أن الكون حالة استقرار و توازن دقيق في القوى التي تتيح بتماسكها بقاء الكون على حال حتى يختل التوازن ثانية ويتغير التكوين مرة بعد مرة في مختلف الأطوار.

يبقى أن تشير أن الدوري أنجز لوحة من إبداعه قضى في عملها أكثر من سنة، استوحاها من كتاب ليثابي، حيث طرح فيها منظوراً يظهر فيه ثلاث نساء من أجيال مختلفة يمسكن بعقد لؤلؤ تنفرط حباته في تواصل وتعاضد غامض ونقيضه في حين، حيث التكوين الحضاري كنسيج من طبقات وشرائح انبسط بعضها وتقلّص البعض الأخر، بما يوحي بصراع لا يخلو من القدرية والتداخل الذي لا انفصام في عراه.

ويختتم الدوري حديثه بما قاله ليثابي: ".. كل حجر أُلصِق في مكانه بدم مخلوق إنساني .. تلك الصروح العملاقة من الجهد المدفوع بإرادة لا تنثني باتت شيئا من الماضي، وعمارة كهذه لم تعد لنا ولا للمستقبل.. ما الذي سيكون عليه إذن هذا الفن في المستقبل؟.. ستبقى الرسالة تدور حول الطبيعة و لإنسان، حول النظام والجمال، لكن سيكون المجمل ذا حلاوة وبساطة وحرية وثقة ونور، وما عدا ذلك فقد ولّى، وهذا حسن إذ كان سحقاً للحياة، في حين أن المستقبل سيكون للأخذ بيد الحياة و تطويعها .. كي يحلق الجمال على الروح كنسمة".
T+ T T-