الأحد 15 يوليو 2018

أحمد خالد توفيق.. رحيل "عراب" الرعب والخيال على غيوم الحكايات

فاضت دموع قراء ومحبي الكاتب المصري الكبير أحمد خالد توفيق، الذي رحل ليلاً، مثلماً رافقهم في ليالي الرعب والخيال التي كان عرابها في عيون شباب ومراهقين وأطفال من كل أنحاء الوطن العربي، وتوقف القلب الذي انسل صاحبه لقلوب كل هؤلاء بخفة تكاد لا تشبهها أخرى.

لم يكن أحمد خالد توفيق كاتباً مبدعاً فقط، بل اعتبره القراء الصغار والشباب أباً ومعلماً ورفيقاً مع عدد كبير من شخصيات صاغها قلمه كعصا ساحر أحالتها لحقيقة، أجمل وأقرب من الواقع.

أحمد خالد توفيق استطاع أن يكون حالة ذهنية وثقافية قائمة لمن قرأوا له، ليس في مصر فقط، بل من المحيط للخليج، وارتبط به هؤلاء في بعد خاص فريد من نوعه، بين حكايات وعوالم مدهشة، وبأسلوبه الأخاذ الذي لم يسبقها له كاتب بعد.

ولد توفيق في مدينة طنطا بمحافظة الغربية في العاشر من يونيو (حزيران) 1962، وتخرج في كلية الطب عام 1985 وحصل على الدكتوراه في طب المناطق الحارة عام 1997.

وبدأت رحلته الأدبية مع كتابة سلسلة "ما وراء الطبيعة" ورغم أن أدب الرعب لم يكن معروفاً عربياً في ذلك الوقت، إلا أن السلسلة حققت نجاحاً كبيراً وتلقفها الجمهور ما شجعه على استكمال السلسلة، وأصدر بعدها سلسلة فانتازيا عام 1995 و سلسلة سفاري عام 1996، وفي عام 2006 أصدر سلسلة WWW.

ونعاه ليلة أمس واليوم، محبوه ومن عايشوه باقتباسات مما كتب، مودعين حلم الأيام الغضة وباب الفضول وساحر القصص الذي طالما أشعرهم بالقرب وكأنه يتحدث عن شيء من كل واحد منهم في حكاياته، وكذلك من نفسه، فبطله الشهير مثلاً "د.رفعت اسماعيل"، العجوز النحيل كقلم رصاص، ذو البدلة الرمادية التي تجعله فاتناً كما يقول عن نفسه، الملول الأصلع المتهكم الذي سافر بهم في عوالم "ما وراء الطبيعة"، هو ربما "نقيض البطل" بحسب الثيمة الأدبية المعروفة، إلا أننا كقراء منذ سنوات البراءة رأينا فيه أروع الأبطال وأحبهم وأكثرهم جذباً، لحد بلغ أن منا من نعاه، حين قرر الكاتب العبقري إنهاء سلسلته القصصية بإعلان وفاة رفعت، بل وبكاه الصغار والشباب الذين أصبح لبطلهم الخيالي وجوداً كخلق عظيم.

ويعتبر أحمد خالد توفيق من أوائل وأبرز كتاب الرعب والخيال العلمي في العالم العربي، بالإضافة لكونه من أوائل الذين توجهوا لليافعين والشباب، وكان يقول: "أتمنى أن يُكتب على شاهد قبري، جعل الشباب يقرأون"، وهو ما حققه بلا جدال.

ومن أبرز الأعمال الأخرى التي استطاع فيها أحمد خالد توفيق أن يدهش القراء ويستحوذ عليهم، سلسة "سفاري" و"فانتازيا"، ورواياته للكبار مثل "يوتوبيا" و "مثل إيكاروس"، و"السنجة" فضلاً عن كتاباته الساخرة ومقالاته النقدية وقصصه في "الآن نفتح الصندوق"، و"قوس قزح" و"عقل بلا جسد"، و"الآن أفهم"، وترجماته والتي يعد أشهرها ترجمته لرواية "نادي القتال" لتشاك بولانيك. 

كما صدر له أعمال أدبية متنوعة، منها "قصاصات قابلة للحرق"، "اللغز وراء السطور"، و"عشاق الأدرينالين" و"زغازيغ" و "شاي بالنعناع" و"ممر الفئران" و"خواطر سطحية سخيفة" وكانت آخر أعماله "شآبيب".

وترجم الراحل عشرات الكتب والروايات، وساهم في دفع جيل كامل من الثمانينات والتسعينات نحو المعرفة والاطلاع على الأدب العالمي، وأصناف فكرية جديدة، وحرض فيهم رغبة البحث والقراءة كأفضل ما يكون، وبقي على عرش قلوب متابعيه القراء من خلال مقالاته، وقصصه القصيرة، وما نشره عبر الصحف والمواقع الإلكترونية.

ونبغ هذا الكاتب المتفرد في طرق وتقنيات فنون الأدب الغرائبي، ورغم اتقانه في صياغة قصص الرعب مثلاً، إلا أنه حافظ في الوقت ذاته على سلاسة في السرد وروح متهكمة ناهيك عن المعلومة والتاريخ أيضاً، لينجز أعمالاً جمعت بين متناقضات دون أن تخل بعنصر الإبداع العميق الآسر.

ورغم أن الراحل واجه انتقادات عدة لأسلوبه الرشيق في الكتابة، إلا أنه أصر عليه رغم امتلاكه التقنيات لتحويله إذا ما شاء، بيد أن إصراره كان حباً وقرباً لجميع الناس، خاصة البسطاء أو الصغار، ولأنه أراد للجميع أن يفهمه، فكان يقول "الكتابة لا يفترض بها أن تعذب القارئ أو أن تشعره بالهزيمة أو الفشل"، وبالفعل أثبت الزمن حكمة هذا الرجل، الذي بفضل تلك السلاسة أحبه الجميع أكثر من كونه كاتباً، أحبوه لشخصه وشخوصه، وبكاه الجميع في رحيله بحزن عميق أكد شعبيته الكبيرة ونجاحه الذهبي في احتضان أرواح قرائه.

"العراب"، كما لقبه محبوه، الأمر الذي لم يحبذه بالمناسبة، ورد ببساطته المعهودة أنه لا يريد تحمل مسؤولية أكبر من قدراته، إلا أن جميع قرائه لازالوا لليوم يعتبرونه "عرابهم"، بشكل أو بآخر، يودعنا اليوم منسلاً من باب الواقع إلى فضاء رحب على غيوم الحكايات، التي ستعيش للأبد.
T+ T T-