الإثنين 16 يوليو 2018

إيران وروسيا... بعد ضربة سوريا

الأسد وخامنئي (أرشيف)
الأسد وخامنئي (أرشيف)
بعد الضربة الأمريكية الفرنسية البريطانية التي استهدفت السلاح الكيماوي السوري، في ظل اعتماد روسيا موقف المتفرّج، ثمة ملاحظات لا يمكن تجاهلها. إنها ملاحظات مرتبطة بالوضع السوري ككل وموقع إيران وروسيا في هذا البلد الذي بات تحت خمسة احتلالات.

"الوجود الإيراني، في سوريا، هو وجود مصطنع قائم على التدمير وإحلال الميليشيات المذهبية المستوردة مكان السلطة القمعية القائمة"
في مقدم الملاحظات أن كل الاستراتيجية الإيرانية قائمة على شخص بشار الأسد، في حين أن لدى الجانب الروسي خيارات أخرى في ضوء الدور الذي لعبه في بناء المؤسسة العسكرية السورية وتغلغله فيها. هناك علاقة تاريخية بين موسكو ودمشق منذ صفقة السلاح الأولى، غير المباشرة، بين البلدين في أواخر خمسينات القرن الماضي وبدء تخرج كبار الضباط السوريين، خصوصاً العلويين منهم، من الأكاديميات العسكرية السوفياتية ثم الروسية في مراحل لاحقة.

تتفوق روسيا على إيران بأن وجودها في سوريا غير مرتبط بشخص بمقدار ما أنه مرتبط بطائفة ومؤسسة، هي المؤسسة العسكرية. مثل هذا الارتباط الإيراني ببشار الأسد جر إلى مزيد من الاعتماد لدى رئيس النظام السوري على ميليشيا حزب الله اللبنانية التي يتأكد كل يوم أنها ليست سوى لواء في الحرس الثوري الإيراني الذي ارتبط بالأسد الابن به ارتباطاً وثيقاً، بل عضوياً، وذلك منذ ما قبل خلافته والده في الرئاسة رسمياً صيف العام 2000 وزيادة الحضور القوي للحزب في الأراضي السورية.

من هذا المنطلق، لن يكون سهلاً على القوى التي تسعى إلى تحديد مستقبل سوريا في مرحلة ما بعد بشار الأسد تجاهل الدور الروسي بوجوهه المتعددة، بما في ذلك العلاقة بالكنيسة الانطاكية الارثوذكسية التي مقرها الأساسي في دمشق. هذا لا يعني أن روسيا في وضع مريح في سوريا، خصوصاً أنها تتبع سياسة تقوم على معاداة أهل السنّة في بلد نسبة هؤلاء فيه تزيد على 75 في المئة.
  
أسوأ من ذلك، أن الموقف الروسي يستند أساساً على أن النظام القائم في دمشق "شرعي" في حين أنه لا يمتّ إلى الشرعية بصلة لا من قريب ولا من بعيد. إنه نظام طائفي أوّلاً وأخيراً يقوم على تحكم الأجهزة الأمنية برقبة المواطن. وقد تحوّل هذا النظام مع خلافة بشار لوالده إلى نظام مافياوي عائلي أكثر من أي شيء آخر. ليست تصفية آصف شوكت، صهر العائلة، بالطريقة التي تمت بها سوى دليل إضافي على ذلك بعد اكتشاف أن الرجل يمتلك علاقات عربية ودولية قد تسمح له بأن يكون بديلاً من داخل العائلة، لبشار الأسد.

ما تعنيه المقارنة بين الدورين الروسي والإيراني في سوريا أن الدور الروسي يمكن أن يكون له مستقبل، فيما لا وجود لهذا المستقبل للدور الإيراني. هذا عائد إلى سبب في غاية البساطة. يتمثّل هذا السبب في أن الدور الإيراني على الصعيد الإقليمي في مرحلة تراجع، فيما لا تزال روسيا قوة عسكرية لا يمكن تجاهلها على الرغم من كل النكسات التي حصلت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع العام 1992 وحتى في مرحلة سبقت الانهيار. تخلّل تلك المرحلة سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989. لم يكن ذلك السقوط مجرد سقوط لجدار، بل كان إيذاناً بدخول العالم مرحلة جديدة أسس لها دونالد ريغان الذي باشر منذ دخوله البيت الأبيض مطلع ثمانينات القرن الماضي التصعيد مع الكرملين وصولاً إلى وصف الاتحاد السوفياتي بـ"امبراطورية الشر" وإدخاله في سباق تسلح، عبر إطلاق مشروع "حرب النجوم". تبين وقتذاك أن اقتصاد الاتحاد السوفياتي عاجز حتى عن التأقلم مع فكرة "حرب النجوم" وأنه ليس في واقع الحال سوى "نمر من ورق"، كما كان الزعيم الصيني ماو تسي تونغ يصف "الامبريالية الأمريكية" التي تسعى بلاده منذ وفاته إلى الاقتداء بها، وإن على طريقتها الخاصة.

تفرض المقارنة بين الوجودين الروسي والإيراني في سوريا الاعتراف بأن الوجود الروسي يمكن أن يكون له أساس ما، كما قد تكون هناك حاجة أمريكية إليه في مرحلة معيّنة في حال صار مطلوباً إيجاد صيغة جديدة تشمل حصول لملمة لكيان تعرّض للتفتيت. تزداد الحاجة إلى مثل هذا الوجود الروسي في حال بقي شيء من الجيش السوري يصلح نواة لجيش جديد.

أمّا الوجود الإيراني، فهو وجود مصطنع قائم على التدمير وإحلال الميليشيات المذهبية المستوردة مكان السلطة القمعية القائمة. لن تستطيع إيران تغيير كل التركيبة الديموغرافية لسوريا حتى لو كان تركيزها على تدمير كل مدينة كبيرة وتهجير أكبر عدد من السوريين من بلدهم. لن تستطيع إيران ذلك نظراً إلى أن في المنطقة قوى كثيرة ترفض منطقها الذي لا علاقة له بالمنطق.

هناك العراق الذي يسعى كل يوم إلى الخروج من تحت الهيمنة الإيرانية. كان العراق في أساس الانطلاقة الجديدة لإيران بعدما سلمته لها الولايات المتحدة في مثل هذه الأيام من العام 2003. تتراجع إيران حالياً في كل مكان بعدما وجدت في شخص ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من يقول الأشياء كما هي آخذاً في الاعتبار أن المملكة العربية السعودية تمتلك ما يكفي من القوة كي لا تكون لها أي عقدة تجاه نظام إيراني لم يتورع عن استخدام الإرهاب والترهيب ووضعهما في خدمة سياساته.

تتراجع إيران في العراق. ستكون الانتخابات العراقية في الثاني عشر من مايو (أيار) المقبل اختباراً حقيقياً لمدى رغبة العراقيين في التحرّر من الاستعمار الإيراني. لكن المكان الذي سيكون فيه الامتحان الحقيقي لإيران، فهو سوريا حيث ربطت مصيرها بمصير رجل لم يستطع في يوم من الأيام استيعاب خطورة أن يكون أسير "الحرس الثوري" وأدواته.

ستسعى إيران إلى التشبث بالورقة السورية. لا يسمح الوضع الداخلي للنظام بغير ذلك. يعلم "الحرس الثوري" وقادته أن الخروج من سوريا سيعني الخروج من طهران وأن الهزيمة السورية ستكون لها انعكاساتها في الداخل الإيراني حيث لم يعد في استطاعة النظام مواجهة حال التذمر السائدة. هناك تذمر على كل صعيد، خصوصاً بعد انكشاف النظام الذي صرف أموال إيران في سوريا ولبنان وغزّة واليمن ولم يستطع أن يستجيب لأي مطلب شعبي في بلد يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر.

لن تكون روسيا مستاءة من الخروج الإيراني من سوريا. ستجد طريقة للتأقلم مع مرحلة ما بعد الضربة الأمريكية. ستقبض ثمن الاستثمار في مؤسسة الجيش السوري وفي الطائفة العلوية. لم يكن بشار الأسد في يوم من الأيام رجلاً لا يستغنى عنه بالنسبة إلى فلاديمير بوتين... في حين شكل الضمانة الوحيدة لإيران. تعرف موسكو هذه الأيام أن هناك كلاماً جدياً في العالم عن بديل من بشار في مرحلة انتقالية تبدو سوريا مقبلة عليها.
  
ستدفع إيران، عاجلاً أم آجلاً، ثمن رهانها على شخص ظنّ أنه يستطيع إلقاء دروس في الوطنية والتنظير على العرب الآخرين في شأن كيفية مواجهة إسرائيل. انتهى الأمر ببشار أن قبل بضم إسرائيل لهضبة الجولان المحتلة التي رفض والده استعادتها كي تبقى حال اللا حرب واللا سلم سائدة في المنطقة ووسيلة ابتزاز للعرب الآخرين. لم يستطع بشار حتى ممارسة لعبة الابتزاز التي أتقن والده أصولها والتي كانت إيران من بين الدول التي شملتها.
T+ T T-