الخميس 20 سبتمبر 2018

ديبلوماسية الخراب في غزة

المبعوث القطري محمد العمادي.(أرشيف)
المبعوث القطري محمد العمادي.(أرشيف)


مهمة "العمادي" في غزة تكمن بالضبط في الحصول على دور ما، أي دور، ل"الدوحة" في المحاولات الأمريكية لاختراق حاجز الصد الرسمي الفلسطيني لـ"صفقة ترامب"
حصل العمادي، السفير المزدوج للدوحة ومتعدد المهام في تل أبيب وغزة، على "استثناء" للمشاريع القطرية في غزة (شارع صلاح الدين، وإسكان حمد)، يشمل الاستثناء، حسب العمادي، إعفاء هذه المشاريع من القصف الإسرائيلي شرط أن لا تستخدمها "حماس" ضد الاحتلال خلال اعتداءات الأخير على القطاع، هذا تقريباً ما صرح به "ممثل قطر" للصحافة، ما فجر نوبة شعبية من الضحك والغضب.

وهو تفصيل جاء في سياق أكثر خطورة، عندما صرح بثقة المطلع والشريك، أن هناك مفاوضات تجري، عبر وسيط، بين الجانبين، إسرائيل وحماس، يمكن تلخيص محتواها، حسب العمادي أيضاً، بتنفيذ حزمة المشاريع التي عرضها "جاريد كوشنر" صهر ومندوب "ترامب"، لتحسين "الوضع الإنساني" في غزة، والتي تشمل توفير بعض الخدمات الأساسية، كهرباء وتحلية مياه الشرب، وتأهيل المنطقة الصناعية.

التوجه نحو "تحسين الظروف الإنسانية" في غزة هو توجه يقوده "نيتنياهو" كبديل يمكن التركيز عليه، يوفر مزيداً من الوقت لاستكمال مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية، واستكمال عزل القدس عبر تطويقها بالمستوطنات والمناطق العسكرية، بعد تعثر تمرير "صفقة القرن" في المنطقة العربية، وفشل جولة "كوشنر" و"غرينبلات" في دول المنطقة مؤخراً، الأردن ومصر والسعودية، ورفض استقبالهما أو التعامل معهما في رام الله.

مهمة "العمادي" في غزة تكمن بالضبط في الحصول على دور ما، أي دور، لـ"الدوحة" في المحاولات الأمريكية لاختراق حاجز الصد الرسمي الفلسطيني لـ"صفقة ترامب"، الرجل يريد أن يكون "مفيداً" وقادراً على توفير "البضاعة"، وهو يعرف جيداً أن في حماس من يفضلون "الحزمة الانسانية" المقترحة على أي شيء آخر بما فيها "المصالحة"، وانها ستجد صدى في كواليس "الجماعة"، وأنهم يملكون أكثر من غطاء لتمرير مفاوضات بجدول أعمال يتجاوز العناوين المرفوعة قد تؤدي إلى تفاهمات طويلة الأمد تسمح لهم بتطوير "الانقسام" الذي قادوه الى "انفصال" كامل لغزة تحت حكمهم.

يدخل العمادي من الشق، وهو يجيد ذلك دون شك، يدخل هذه المرة من وضع الكارثة الذي وصلت إليه أحوال الناس المحاصرين في غزة، يساومهم على خبز أولادهم الشحيح والدواء المفقود والصيد القليل والحقول المحروقة والأفق المسدود، يصل غزة عبر تل أبيب، على أمل أن تكون ثمار الحصار قد نضجت أخيراً، يدخل الزنزانة التي حشر فيها مليوني فلسطيني ليعرض عليهم "أفكار نتانياهو وكوشنر" وماء وكهرباء وتصاريح لعمال في المستوطنات.

بالنسبة لحماس لا مشكلة مع الهدايا التي حملها رجل الدوحة عبر "حاجز ايريز"، بل يمكن الاستفادة من "الاستثناء" الإسرائيلي باعتبار مشاريع قطر "مناطق آمنة"، ويمكن استخدامها لتوفير السلامة للقيادة وإضافتها الى الطبقات السفلى من "مشفى الشفاء" أثناء "الغارات" وعمليات القصف.

سلوك "ولي نعمة" الذي يتميز به "السفير" القطري له ما يبرره، فهو يمثل الجهة التي توفر السكن والمصاريف والرفاهية لقيادة الحركة المرجعية السياسية من جهة، كما أنها تؤوي منذ الستينات "بابا" الاخوان المسلمين يوسف القرضاوي، المرجعية الدينية للحركة، وتوفر له السكن والمنبر والحماية.

لقد بلغت الحفاوة التي حظي بها الرجل لدى حكام القطاع أن "إسماعيل هنية" أهداه في نوبة كرم ملكية منزلاً على مهبط طائرة "ياسر عرفات"، وتوجه معه برفقة بعض المنتفعين من جراياته إلى الموقع حيث كانت في انتظارهم أدوات حفر، فأس ومجرفة، على أرض المهبط لوضع حجر الأساس للملكية.

يمثل "محمد العمادي" نموذجاً للخراب الذي آلت اليه السياسة العربية، والدرك الأسفل الذي وصلته في التعامل مع القضية الفلسطينية، وهو تعبير واضح عن الديبلوماسية الرثة التي يمكن أن ينتجها مثل هذا الخراب وهذا الدرك.

ولكن وجوده وتصريحاته المهينة بحق الشعب الفلسطيني، وتحركاته واستقبالاته تشير أيضاً إلى الهوان الذي وصلته بعض أوساط "القيادة" الفلسطينية.
T+ T T-