السبت 21 يوليو 2018

لديك مبنى من ثلاثة طوابق

تعبيرية.(أرشيف)
تعبيرية.(أرشيف)


ما هي السمات الشخصية لوعينا اليومي أو قل ما هي عناصره؟ بإمكان كل واحد منا أن يتصوره وكأنه يملك مبنى من ثلاثة طوابق
في كتاب "أنواع من التجارب الدينية" يقرر فيلسوف أمريكا الأول وليام جايمس، بناء على دراساته النفسية، أن "وعينا الطبيعي - الذي نسميه وعينا العقلي - وعي فريد من نوعه. في حين أنه وكل ما يتعلق به، قد تشظى عن صور أخرى ممكنة للوعي مختلفة تماماً عنه".

ما معنى هذا الكلام؟ معناه أننا بحاجة لاستكشاف أنواع الوعي التي نملكها وتعمل في حياتنا كل يوم. حسناً، ما هي السمات الشخصية لوعينا اليومي أو قل ما هي عناصره؟ بإمكان كل واحد منا أن يتصوره وكأنه يملك مبنى من ثلاثة طوابق. طابق أرضي يحتوي على إحساساتنا الجسدية: البصر والسمع والشم والذوق واللمس، وإحساساتنا العضوية. هذا هو الطابق الأرضي، أساس الانطلاق. لقد أخطأ أفلاطون عندما استهان بالحواسّ ومعطياتها ونظم المحاورات في هجائها واكتفى بالتعلق بالسماء. فيلسوف الألمان الأكبر هيغل كان أكثر حكمة، برغم غرقه في التجريد وأحاديث العقل، لكنه ابتدأ في بناء فلسفته الشهيرة، من الطبيعة والواقع ومعطيات الحس، هذه هي البداية الصحيحة بلا ريب. أن تعترف بهذا العالم الخارجي بلا نقاش ولا حِجاج، لكن لا تقف عنده ولا تختصر الحياة في كون مادي أصم.

هناك طابق ثانٍ يسكنه العقل، الذي هو ملكة الفكر والتأمل والتحليل والتركيب. إنه شيء أكبر من أن ننظر إليه كنسخ ذهنية للإحساسات الأولى، كما تقول الفلسفة التجريبية البريطانية وأتباعها في فرنسا منذ زمن فولتير. في هذا الطابق الثاني سنجد التفكير المجرد وعمليات التعقل، وكذا سنجد كل فلاسفة العقل المشهورين.

لم يجادل أحد في الطابق الأول إلا ما ذكرته عن أفلاطون وبعض فلاسفة الإغريق الأَول، أما العقل، فقد نشأ بين أرباب الفكر جدل طويل عبر التاريخ، عن وجوده من عدمه وعن ماهيته وحدوده. نحن نستخدم هذه المفردة "العقل" وكأنها كلمة واضحة المعالم تدل على مدلولها تمام الدلالة. لكننا لو أمعنا النظر، فسنجد أننا أمام شيء غامض جداً، وكل مرجعية فلسفية تستخدم هذه المفردة استخداماً يتحكم فيها. هناك من يستخدم "العقل" كمقابل للخيال المؤدي إلى الوهم، وهناك من يضعه في مقابلة التجربة كما يفعل إيمانويل كنْت، وهناك من يضعه في مقابل الإيمان كما يفعل الثيولوجيون من كل الأديان عندما يقولون: "آمن ثم تعقل" ثم يغرقون في نقاش غير مجدٍ عن تقديم العقل على النقل أو العكس. وهناك من يضعه في مقابل العاطفة فيفرق بين أحكام العقل الذكورية وأحكام العاطفة الأنثوية، وهناك من يرى أن العقل جزء لا يتجزأ من الطبيعة وأنه لا يتعالى عليها. ظهر هذا جلياً عندما قرر جون لوك أبو التجريبية البريطانية أن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء tabula rasa (باللاتينية) ثم تتراكم فيها المعطيات التي نكتسبها من حواسنا فتصبح أفكاراً بسيطة، وتتجمع الأفكار البسيطة من خلال قوانين الترابط لتصبح أفكاراً مركبة، وتستمر إلى أن يصبح عندنا ما نتخيل إنه الأفكار الكلية والثوابت المطلقة، مع أنها في الحقيقة ليست سوى أحاسيس مادية. بل وصل الحال عند بعض التجريبيين إلى أن أنكر وجود العقل من الأساس. هذه هي وجهة نظر التجريبيين، ولو سألتهم: كيف أتت إلى ذهني صورة الحصان المجنَح؟ لأجابوك بأنك قد رأيت حصاناً، ورأيت إوزة, فانتزع خيالك الجناحين وركبهما على الحصان.

ثم زادت الدارونية أن العقل ظهر من خلال عملية تطور كامنة في المادة نفسها، وعند الماركسيين أن العقل ظهر من خلال علاقة الإنسان بالطبيعة وببقية البشر، من خلال العملية الانتاجية، في استبعاد كامل لدور الإله. هناك خلاف طويل في مفهوم العقل لا نريد أن نغرق فيه هنا، بل سنتركه لمقالة أخرى، لكن ما يبدو ظاهراً جليّاً، هو أن هناك جلبة وأصواتاً متعالية غاضبة وكثيرة في طابقنا الثاني، وعسى أن تؤول الأمور إلى خير.

هناك من وحّد بين الطابق الأول والطابق الثاني فأطلق عليهما اسماً واحداً: وعينا الحسي العقلي our sensory – intellectual consciousness وهذا مقبول إلى حد ما، إذا تعاطفنا مع رغبة الناس في التوحيد وتبسيط المعقد، لا بأس فلنقبل بهذا.

حسناً، بقي أن نتحدث عن الساكن في الطابق الثالث، وهو شخص غريب غامض لم يره كل الجيران، بل بعضهم يشككون في وجوده ووجود الطابق الذي يسكنه. إنه الوعي العاطفي أو الصوفي، حيث يوجد الإيمان بالله وبالروح وبالخلود. إنه العالَم الذي وصفه بليز باسكال بمقولته الشهيرة "إن للقلب طرقاً لا يعرفها العقل". إنه شيء غير كل ما سبق، وأدلته على ذاته تبدو لأول وهلة أضعف من أدلة الحواس ومعطياتها، والخلاف حوله يبدو أكثر من كل خلاف حول العقل. هذا الوعي لا يمكن التحقق منه بمنطق الحس ولا بمنطق العقل، لكن سعادة الإنسان وحاجاته الروحية تبدأ منه.

يقول لنا علماء الأحياء إن بعض الحشرات أو الحيوانات تستطيع أن تدرك الألوان فوق البنفسجية والألوان تحت الحمراء، وأن بعض الحيوانات تستطيع أن تسمع أصواتاً غير مسموعة بالنسبة إلينا وأن بعض المخلوقات قد تملك حاسة سادسة تختلف كل الاختلاف عن حواسّنا الخمس. الوعي العاطفي أو الصوفي، فقير معدم فيما يتعلق بكل هذه الإحساسات، كما أنه لا يتضمن أية مفاهيم عقلية تجريدية أو أفكار. إنه يختلف تماماً عن وعينا الحسي العقلي. وبالتالي، لا يمكن وصفه ولا تحليله بالطريقة التي نقيس بها عناصر وعينا الحسي العقلي.

هذا هو السبب الذي كان يجعل المتصوفة يكررون القول إن تجاربهم "فوق الوصف". كل الكلمات في كل اللغات هي من منتجات وعي الإنسان الحسي العقلي، وتصف وتعبّر عن عناصرها أو عن مركبات من تلك العناصر. ولكن هذه العناصر، مع استثناء مشكوك فيه للعواطف، لا توجد في الوعي الصوفي. هناك شعور بأنه من المستحيل وصفها بأية كلمات كانت. بِغضِ النظر عن هذا، نجد المتصوفة يصفون تجاربهم بطرق غير مباشرة، وفي نفس الوقت يقولون لنا إن الكلمات التي يستخدمونها ليست كافية للتعبير. لقد عبّر الصوفية - بلا شك – عن أفكار تتعلّق بتجاربهم بعد انتهاء تلك التجربة حينما يتذكرها أحدهم، بعد أن عاد من جديد إلى وعيه العقلي الحسي,، لكن ليست هناك أية أفكار في التجربة نفسها. إنه شيء في القلب وكفى.
إن اعتقد أحدٌ أن الوعي الصوفي لا يمكن أن يوجد، لأنه نوع من الوعي بدون عناصر حسية ولا صور ولا أفكار، أو بسبب كونه شيئاً لا يمكن تخيله ولا تصوّره من قبلنا، فهذا الشخص بلا شك، يحتاج لمراجعة نفسه. إنه يفترض أن إمكانات هذا الكون الفسيح الشاسع محصورة فيما يعرفه ويفهمه دماغ أصغر حشرة في الطبيعة تزحف على بقعة من الطين طافية، في عالم لا حدود له.
T+ T T-