السبت 22 سبتمبر 2018

غزة "المخروبة"...

فلسطينيون في غزة (أرشيف)
فلسطينيون في غزة (أرشيف)
أعتقد أن تقديم النصوص الأدبية فائض عن الحاجة. فالنصوص تقدم نفسها بنفسها، وتخضع لذائقة فردية تماماً. لذا، ينطوي التقديم على مجازفة فرض ذائقة بعينها على نصوص تحيا حياة مستقلة، وتتعدد بعدد القرّاء. وبهذا المعنى، وفيه، فإن كلمة واحدة جاءت في رسالة لعايدة حسنين، تطلب فيها تقديم نصوصها، هي التي فتحت باباً مُغلقاً في مكان ما من النفس والذاكرة. قالت لي: "أكتبُ من غزة المخروبة".

أن تكتب نساء من غزة شعراً يحتفي بالحب والحياة والوطن، فهذا يعني أن النار القديمة تواظب على تسجيل دوامها اليومي في دفتر الزمن
"المخروبة" * هي التي حسمت الأمر. ففي مفردة واحدة تراوح ما بين الرثاء الذاتي، والافتنان، لتختزل علاقة معقدة ومتعددة الطبقات، بين المكان وساكنيه، ما يبرر هذا التقديم. فلو افترضنا، جدلاً، أن قارئة في أي مكان آخر من العالم حاولت العثور على المعاني المُحتملة لمفردة تختزل العلاقة بين الرثاء الذاتي والافتنان، فلن تتمكن من القبض على ما يجمع هذا بذاك.

الرثاء الذاتي في نصوص امرأة من غزة؟ ربما.
ولكن الافتنان!!
وأين في غزة وبها؟

وغزة، منذ سبعين عاماً، ضحية المكان والزمان في آن. هذا ما يصعب القبض على دلالته العميقة. وهذا ما يتعزز بإمكانية العثور في ما لا يحصى من نصوص ثلاثة أجيال، تقريباً، في غزة ومنها، على مدار سبعة عقود، على افتنان يتاخم حد الحقيقة الميتافيزيقية، في العلاقة بالمكان معطوفة على حب جارح من طرف واحد، فغزة الواقعية، واليومية، يمكن أن تكون أشياء كثيرة، ولكنها لا تشفق على محبيها: أحلام الهرب منها أقوى من دوافع البقاء، ومع ذلك لا ينجو الهاربون والهاربات من الحنين، ولا من غواية الرجوع.

ولعل في هذا، وبه، ما يُفسّر حقيقة أن الشعر يبدو مواطناً دائم الإقامة في غزة. فالشعر ينبت كنبتة خضراء بين شروخ وجودية كثيرة. وكما، في كل مكان آخر، الكامل والكمال يطردانه، والناقص والنقصان يوقعانه في شباك المكان.

ولا يبدو من قبيل المجازفة القول إن المكان الساحلي، الذي يوصف أحياناً، بأنه أكبر سجون الهواء الطلق في العالم، يعج بعدد من الحالمين، ومنتجي ومُستهلكي الشعر، أكثر من أي مكان آخر. إذا ضاقت الجدران فكّت الروح قيدها بالتحليق في فضاء بعيد.

ولم يكن من قبيل الصدفة، بالتأكيد، أن تكون غزة التي أنجبت عدداً يُعتد به من آباء الحركة الوطنية، قد أضافت الكثير، أيضاً، إلى الروح الإبداعية للشعب، وثقافته الوطنية، على مدار عقود. القائمة طويلة، والأسماء لامعة.

الجدران الضيّقة مدخل للتفكير في الحمى الإبداعية، التي ألهبت، وما زالت، خيال أجيال متلاحقة من أبناء وبنات هذا المكان الساحلي، الذي حفظ التاريخ اسمه منذ آلاف مؤلفة من السنين. وربما ما تقطّر من ذكريات النكبة، لم يكن زبداً، بل كان فيه ما ينفع الناس.

وثمة ما هو أبعد من هذا بكثير.

ففي وقت ما، في زمن الإمبراطورية البيزنطية، كان التنافس على أشده بين مركزين لاهوتيين، هما أثينا، وغزة.

والمفارقة أن مركز غزة كان الأكثر مرونة، وانفتاحاً، بينما امتاز المركز الثاني بالمحافظة، والتقليد.

وربما لا يعرف الكثيرون أن أهم نبيذ في عالم البحر المتوسط القديم، كان يأتي من غزة، أيضاً. كم بقي من هذا كله في الذاكرة الجمعية؟

للمكان، كما لبني البشر ذاكرة تشتغل، وتشتعل، كنار خفيفة، وثمة ما يشبه لهباً يتراقص على، ومع، إيقاع الزمن.

 في غزة ما لا يُحصى من الأولاد والبنات، الذين إذا استعرنا عبارة لمحمود درويش، أصابهم جن المعلقة الجاهلية.

وأن تكتب نساء من غزة شعراً يحتفي بالحب والحياة والوطن، فهذا يعني أن النار القديمة تواظب على تسجيل دوامها اليومي في دفتر الزمن.

الرعب في "المخروبة" فاتن، أيضاً، في مشهد هذه التراجيديا الإنسانية، التي ترفع المكان الساحلي، وترتفع به، في فضاء بعيد.

مقدّمة لديوان شاعرة من غزّة
T+ T T-