السبت 21 يوليو 2018

حجر فيرجينيا وولف المخيف

الروائية البريطانية فيرجينيا وولف (أرشيف)
الروائية البريطانية فيرجينيا وولف (أرشيف)
في اللقطات الافتتاحية لفيلم "The Hours"، أو "الساعات" 2002، للمخرج ستيفن دالدري، نستقبل كمشاهدين أربعة أزمنة، بينما لم تكتمل بعد تترات الفيلم. الزمن الأول في إنجلترا 1941، وهو عام انتحار الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف.

نيكول كيدمان بأنف اصطناعي في دور فيرجينيا، الأنف لا يناسب كثيراً قتامة، ورهبة سيرة فيرجينيا الحياتية، وكأنَّ التمثيل وحده لا يكفي. تترك فيرجينيا رسالة انتحار، لزوجها ليونارد وولف، ثم تُغرق نفسها في النهر، بعد وضع حجر كبير في جيبها. مَنْ امتهن منّا مهنة الأدب، ولم يتعثَّر يوماً في حجر فيرجينيا وولف المخيف؟ الحجر ثقل، زوادة، كِمَالة لتأكيد الوزن الوجودي لفيرجينيا. أتخيَّل بلوم بطل "عوليس" جويس، يطلب كِمَالة بعد طبق الكشري الكبير.

كان قد أكل قبل ساعة قطعة تشيز كيك مع فنجان قهوة إسبريسو. الجرسون ينادي: واحد كِمَالة وكتَّر الورد والمونة. يسأل بلوم المدقق المتعالم عن معنى الورد والمونة. الجوسون: الورد بصل، والمونة صلصة. جويس بشهية مفتوحة على عكس شهية فيرجينيا. رمْرَمِة وطفاسة تيار وعي جويس، وأَنَفة ونفور تيار وعي فيرجينيا.

لعب دور الزوج ليونارد، الممثل ستيفن ديلان. لعل تفصيلة الزوج القائم على عدم انهيار شهية فيرجينيا للطعام، من أجمل تفصيلات الفيلم عذوبة، وهي تفصيلة تردد بتكرار لا فرار منه، وفي زمن آخر من الفيلم، لحن رعاية ميريل ستريب في دور كلاريسا، للكاتب المريض إد هاريس في دور ريتشارد بروان. تُبْلي الرعاية قلب ليونارد، وقلب كلاريسا، وليس بعد بألم الحب.

الزمن الثاني لوس أنجلوس 1951. الممثلة جوليان مور في دور لورا بروان والدة الكاتب ريتشارد بروان. لورا تقرأ رواية فيرجينيا وولف "السيدة دالاوي"، وتحاول الانتحار. هذا الزمن يكاد تقتصر أهميته على التمهيد والإيحاء بمعلومة أن ابن جوليان مور سيكون في المستقبل الكاتب ريتشارد بروان. لم يوفق المخرج في تصوير مشهد محاولة الانتحار الفاشلة. لورا تنام على السرير، وبجوارها زجاجات الحبوب المهدئة. يُطلق المخرج الماء بشكل غير واقعي من جانبي غرفة الفندق التي استأجرتها لورا، لتنفيذ رغبتها في الموت. حلم لورا بالغرق لا يبرر سوء تصوير المشهد، فهو تقريباً الحلم البصري الوحيد في دراما الفيلم. ربما أراد المخرج الزج مرة ثانية بمياه غرق فيرجينيا، لكن ليس كل تكرار يقبله المُشاهِد جمالياً، فغرق فيرجينيا كان له أن يبقى فريداً.

الزمن الثالث إنجلترا 1923. يسأل ليونارد زوجته فيرجينيا إذا كانت تناولتْ الفطور، فتقول له: نعم. يرد ليونارد: كاذبة. فيرجينيا عليها أن تبدأ أولاً بكتابة الصفحات الأولى من روايتها "السيدة دالاوي". ما كان لجويس أن يفهم تعارض الطعام مع الكتابة بتلك الصورة المأساوية، وكأنّ جودة الكتابة تتعلق بحرمان فسيولوجي. يقول ليونارد لزوجته: إنها تعليمات طبيبك. جويس: وماذا عن متعة الطعام؟ شريحة خبز محمص، مدهون بطبقة أولى من الزبد، وطبقة ثانية من مربى التوت، وفنجان شاي قوي بملعقتين سكر، وسيجارة كمحبس أبدي، لخمس ساعات قبل طعام الغداء. يقول ليونارد لزوجته: سأطلب من نيللي أن تأتيكِ ببعض الفاكهة والكعك. تنظر فيرجينيا إلى زوجها غير راضية. يقول برنارد: حسناً لنتناول الغداء معاً، غداء ملائم لزوج وزوجة، يجلسان بجانب بعضهما البعض. يقترب جويس من ليونارد، ويسأل بتلطف: طيب بالنسبة للفطار لو مش عاوزينه أنا ممكن أقوم به.

الزمن الرابع نيويورك 2001. ميريل ستريب أو كلاريسا تريد شراء الزهور من أجل حفلة، وبمناسبة فوز صديقها المريض، الشاعر والروائي ريتشارد براون، الذي يعتقد أن الجائزة ذهبتْ إليه بسبب مرضه، واقتراب موته. بائعة الزهور حاولتْ قراءة رواية ريتشارد، وأدركتْ رغم صعوبة الرواية، أن ريتشارد يكتب عن كلاريسا. تُعلق كلاريسا على صعوبة الرواية، بأن ريتشارد كتبها في عشر سنوات. جويس: أنا كتبت "عوليس"، في سبع سنوات، ومش عاوزين نتكلم. كلاريسا تسأل ريتشارد في شقته المظلمة عن زائرين اعتادوا على زيارته. كلاريسا: كيف كانوا؟ تقصد بشكل ما أشباح الكاتب. يقول ريتشارد: كانوا مثل نار سوداء، كانوا يغنون ربما باليونانية. ريتشارد يسمع أصواتاً كما كانت تسمع فيرجينيا وولف. يقطع ريتشارد في قلب كلاريسا، بالكلمات الآتية: أوه مسز دالاوي دائماً ما تقيمين الحفلات لتغطية الصمت. كلاريسا: ريتشارد كل ما نحتاجه منك هو أن تحضر الحفلة، وتجلس، سأكون معك.

الدراما التي تعتمد في السرد على أزمنة مختلفة، معتادة في هوليوود، وتكاد تكون تقليدية، خصوصاً عندما تأتي النقلة من زمن إلى آخر عبر إكمال حركة. فيرجينيا ترفع شعرها في 1923 أمام المرآة، فتُكمل كلاريسا في 2001 حركة رفع شعرها أيضاً. فيلم "الساعات" فيه كثرة من هذه النقلات العابرة للسنوات، وتأثيرها يُزيد من جرعة الميلودراما.

أقوى مَشاهِد فيلم "الساعات"، مشهد انتحار إد هاريس. تذهب كلاريسا قبل موعد الحفلة بساعات قليلة، لمساعدة ريتشارد في ارتداء ملابسه. تدخل الشقة، فتجد ريتشارد ينزع ستائر الحائط، وهو قريب من النافذة. يريد ريتشارد ضوء النهار، وهي سخرية مريرة من كلاريسا التي طلبتْ منه في الزيارة السابقة، إدخال ضوء النهار. تحاول كلاريسا أن تقترب من ريتشارد الذي يحذرها من الاقتراب. يستنزف ريتشارد ارتباك واهتمام وخوف كلاريسا، لحين تمكنه من الجلوس على قاعدة النافذة. يقول ريتشارد: مسز دالاوي لقد بقيت حياً على قيد الحياة من أجلك، لكن يجب أن تدعيني أرحل الآن. كلاريسا ولا تجد ما تقوله، فيسعفها ريتشارد بأن يطلب منها سرد ماذا فعلتْ اليوم. تتلعثم كلاريسا، وتقول مثل طفل: خرجت لشراء الزهور، وكان صباحاً جميلاً. يذكرها ريتشارد، وهو يعتلي قاعدة النافذة، بصباح آخر على الشاطئ كان جميلاً أيضاً. كان هو التاسعة عشرة من عمره، وهي في الثامنة عشرة من عمرها. يعترف ريتشارد بحبه لكلاريسا، ثم يُسقط نفسه من على قاعدة النافذة.

T+ T T-