السبت 21 يوليو 2018

باكستان... لا نواز

رئيسة الحكومة الباكستانية الراحلة بنازير بوتو (أرشيف)
رئيسة الحكومة الباكستانية الراحلة بنازير بوتو (أرشيف)
أخبار نواز شريف، رئيس حكومة باكستان السابق، أعادت بلاده إلى صدارة الاهتمام الإعلامي. الرجل حوكم غيابياً بتهمة الفساد وصدر عليه حكم بالسجن عشر سنوات وبمصادرة شقق اشتراها في منطقة مايفير في لندن، أغلى مناطق العاصمة البريطانيّة على الإطلاق. كذلك صدرت أحكام أخرى بالسجن على ابنته مريم، التي تُعد نفسها لوراثته سياسياً، وعلى زوجها.

بعض الباكستانيين الغاضبين المقيمين في لندن هاجموا مقر إقامته هناك، دون أن يكون واضحاً إذا كانت مبادرتهم عفويّة أم أن معارضين لنواز دفعوهم إلى ذلك.

من جهته، أعلن رئيس الحكومة السابق أن التهم بحقه وحق عائلته ملفقة، وأن الغرض منها إضعاف حظوظ حزبه، الذي يتولى قيادته شقيقه شهباز، في الانتخابات العامّة التي ستُجرى في 25 من هذا الشهر.

وهو أكد أنه سيعود إلى باكستان ليستأنف "نضاله" ضدّ الوضع القائم "ولو من السجن". وكان بعض أنصاره قد مُنعوا فعلاً من الترشح للانتخابات الوشيكة. هذه الدراما الباكستانية ذكرت البعض بدراما برازيلية مفادها سجن الرئيس السابق لولا بتهمة الفساد أيضاً، وتمسكه ببراءته وتأكيده أن الهدف منعه من الترشح في الانتخابات البرازيلية المقبلة والتي يُقدر أن فوزه فيها حتمي.

على أي حال فقضية نواز شريف مجرد فصل آخر من فصول التاريخ البائس لهذا البلد المسمى باكستان ذي الولادة الحديثة نسبياً والتي تعود إلى 1947.

لقد تأرجح هذا التاريخ بين الانقلابات العسكرية وبين فساد السياسيّين البرلمانيين. يكفي أن نعيد التذكير بأهم الانقلابات التي طحنت ذاك البلد في عمره القصير،ناهيك عن الانقلابات الصغرى والمحاولات الانقلابية التي فشلت.

- في 1953، وبعد ست سنوات فقط على ولادة البلد، قام ما عُرف بـ "الانقلاب الدستوري" الذي أيده قائد الجيش آنذاك الجنرال محمد أيوب خان.

- في 1958 نفّذ رئيس الجمهورية اسكندر ميرزا وأيوب خان انقلاباً ثانياً على شركائهما في السلطة.

خان، الذي سُمي حاكماً عرفياً أعلى، أطاح بميرزا واعتقله بعد 13 يوماً على الانقلاب المشترك وعين نفسه رئيساً للدولة.

- في 1977 انقلب قائد الجيش الجنرال ضياء الحق على الحكم الدستوري، فعطل المؤسسات الدستورية وأعدم رئيس الحكومة ذو الفقار علي بوتو.

- في 1999 انقلب قائد الجيش الجنرال بيرفيز مشرف على رئيس الحكومة نواز شريف واعتقله، كما عطل الحياة السياسيّة في البلد.

بالطبع لم تغب عن هذه اللوحة الداكنة الاغتيالات السياسية، وكان أبرزها اغتيال رئيسة الحكومة السابقة بنازير بوتو في 2007. لكن ما فاق الاغتيالات حضوراً في الحياة العامة كان الفساد. إذ من النادر جداً العثور على سياسي باكستاني واحد لم يتورط، على نحو أو آخر فيه.

وهذا ما يفسر الشعبية الواسعة التي بدأ يحظى بها عمران خان، الثري ولاعب الكريكيت السابق، الذي يوصف بالسمعة الطيّبة كما ترشحه بعض التقديرات للفوز في الانتخابات المقبلة.

على أن الأمر يبقى أبعد من عمران خان أو سواه من السياسيين. إنّه يتعلق بفساد عميق في الحياة السياسية متعدّد المصادر: فهناك دور القرابة في التراكيب الحزبية والسياسية ما يعيق قدرة الحياة البرلمانية على تنظيف نفسها بنفسها، وهناك طبعاً الانقلاب العسكري الذي يقطع الطريق على مشاريع التنظيف الذاتي إذا وجدت، وأخيراً هناك السياسة الخارجية المحكومة بالصراع مع الهند حول كشمير كما حول أحقاد الماضي التي لم تُبدد. هذه السلبيات وجدت في التورط الباكستاني المديد في حرب أفغانستان ما يمدها بكثير من السم والقيح.

فهل تتمكن النخبة السياسية العريضة من التصدي لهذه الاختلالات البنيويّ العميقة وجعل بلدها مساحةً قابلة للحياة؟
T+ T T-