الأربعاء 19 سبتمبر 2018

هدفان رئيسيان لواشنطن في سوريا

متاصرات للرئيس السوري بشار الاسد في دمشق.(أرشيف)
متاصرات للرئيس السوري بشار الاسد في دمشق.(أرشيف)
رأى دوغ باندو، المساعد الخاص السابق لرونالد ريغان والباحث بمعهد كاتو، أن الحرب الأهلية السورية أوشكت على الانتهاء بفوز الرئيس السوري بشار الأسد، وعلى الولايات المتحدة تغيير مسار سياستها إزاء سوريا وتجنب التورط في نزاع عنيف مع القوات السورية والإيرانية وربما أيضاً الروسية بسبب أي خطأ بسيط أو سوء تقدير.

مة هدفان رئيسيان لواشنطن؛ أولهما إزاحة بشار الأسد عن السلطة وثانيهما إجبار إيران على سحب قواتها من سوريا
ويلفت باندو، في مقال بمجلة "ذا أمريكان كونسيرفاتيف"، إلى أنقاض الأحياء المدمرة في ضواحي دمشق وحمص وحلب والتي شاهدها في رحلته الأخيرة إلى سوريا، حيث كانت المعارضة تسيطر على تلك الضواحي وتطلق منها القذاف على دمشق، ولكن ثمة مناطق أخرى في بعض المدن بدأت تتعافى.

أمريكا باقية في سوريا
ويعتبر الباحث أن الحرب السورية انتهت تقريباً بفوز الأسد، وتواجه المنطقة الأخيرة المحيطة بإدلب التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة هجوماً وشيكاً من قبل الجيش السوري مدعوماً بالغارات الجوية الروسية. وقد حذرت واشنطن نظام الأسد من استخدام الأسلحة الكيماوية ولكنها لن تتدخل بأي شكل آخر. وعلى الرغم من العواقب الإنسانية القاسية، فإنه من المتوقع أن تحرز دمشق انتصاراً على نطاق واسع.

وإذا حدث ذلك، فإنه لن يتبقى خارج سيطرة نظام الأسد إلا الأراضي التي تقع في شمال سوريا، حيث تتعاون القوات الأمريكية مع الميليشيات الكردية، إضافة إلى الأراضي في الجنوب الشرقي قرب الحدود العراقية، حيث توجد قاعدة أمريكية أخرى. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أبدى رغبته في بقاء الولايات المتحدة بعيداً عن الصراع السوري وأن تظل القوات الأمريكية في سوريا لفترة كافية لدحر داعش فقط، بيد أن إدارة ترامب أعلنت مؤخراً عما يبدو أنه خطة لوجود أمريكي دائم في سوريا وذلك من دون الحصول على تفويض من الكونغرس.

خطط خيالية

وبحسب المقال، ثمة هدفان رئيسيان لواشنطن؛ أولهما إزاحة بشار الأسد عن السلطة ومن المفترض أن يتم ذلك من خلال بعض التسويات السياسية التي أمكن التفاوض عليها مع موسكو، وثانيهما إجبار إيران على سحب قواتها من سوريا، ومن الواضح أن هذا الأمر سيتم أيضاً بمساعدة روسيا.

ويصف الباحث هذه الخطط بأنها "خيالية و"عبثية"؛ حيث إن الحرب الأهلية السورية قد انتهت بالفعل وفاز نظام الأسد، ولا يمكن للولايات المتحدة إجبار سوريا أو روسيا أو إيران على فعل أي شيء، كما أن تدخل الولايات المتحدة في سوريا كان أمراً خاطئاً تماماً.

ويقول المقال: "لاشك في أن سوريا مأساة إنسانية، ولكن هذا ليس سبباً كافياً يدفع الولايات المتحدة إلى المخاطرة بالتضحية بأرواح شعبها وثرواته في صراع وحشي طويل، فقد تورطت واشنطن في أفغانستان لمدة 17 عاماً وكذلك في العراق لمدة 15 عاماً دون أن تلوح نهايات في الأفق. وليس في إمكان الولايات المتحدة أن تفعل سوى القليل في سوريا، وغيابها سيكون بمثابة مشاركة فاعلة في معركة معقدة ومتعددة الأطراف يتورط فيها العديد من اللاعبين الأشرار، والرئيس السوري بشار الأسد كان واحداً منهم ويستحق السقوط، ولكن داعش وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة والجماعات الراديكالية الأخرى كانت أسوأ من الأسد؛ إذ مارست الأساليب الشيطانية الوحشية ضد المدنيين الذين كانوا تحت حكمهم، فضلاً عن تهديد من يعتقدون أنهم مختلفون معهم بما في ذلك الأمريكيون. أما المعارضة السورية المعتدلة فكانت غير فاعلة وبلا جدوى إلى حد كبير؛ إذ لم يكونوا منافسين حقيقيين أبداً على السلطة، بل وتعاونوا بشكل روتيني مع الراديكاليين".

صراع على السلطة
ويرى الباحث أن الإطاحة بالأسد لم تكن ستقود إلى إنهاء الأزمة الإنسانية على الأرجح، بل كانت ستفضي إلى اندلاع صراع حول من سيخلفه؛ ففي البلدان من إيران إلى نيكاراغوا، تقوم التحالفات المتعددة بالإطاحة بالحكام الديكتاتوريين (الذين ظلوا في السلطة لفترة طويلة) فقط من أجل استيلاء أبشع السلطويين فيما بينهم على السلطة، ولا يوجد أي سبب يدفع للاعتقاد أن سوريا كانت ستختلف عن ذلك. ولأن العلويين والمسيحيين والأقليات الأخرى شاهدوا نتيجة تدخل واشنطن السابق في العراق، ولم تعجبهم النهاية، فإن لديهم أسباباً مفهومة في اعتبار أن الأسد هو أفضل حماية بالنسبة إليهم.

ويعتقد الباحث أن واشنطن الآن غير قادرة على التأثير في الأحداث داخل سوريا، وخصوصاً لأن القوات الأمريكية تحتل جزءاً من دولة ذات سيادة من دون أدنى سلطة قانونية، وحكومة الأسد باتت اليوم أكثر أمناً بالمقارنة مع أي وقت سابق خلال السنوات السبع الماضية، والواقع أن السياسة الأمريكية تمنح نظام الأسد عذراً معقولاً أمام شعبه لتبرير الوتيرة البطيئة لتعافي البلاد.

وأعلنت الإدارة الأمريكية أنها لن تدعم إعادة الإعمار في المناطق الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد، وعلى ما يبدو أن هذا النهج يرتكز من الناحية النظرية على افتراض أن مثل هذا الأمر من شأنه أن يقود إثارة السخط والاحتجاجات ضد الأسد، ولكن بحسب الباحث فإن هذا الأمر مستبعد حدوثه؛ إذ انتصرت دمشق على عدد كبير من المعارضين الذين جرى تسليحهم وتمويلهم بصورة جيدة، وعلى الأرجح أن غضب السوريين الساخطين سوف ينصب على واشنطن لأنهم سيشعرون أن الولايات المتحدة تعاقبهم على عدم اتخاذ قرارات سياسية لا سلطة لها في الواقع لكي تمليها عليهم.

تحالفات روسيا
ويستبعد الباحث أن تحل موسكو محل الأسد حتى لو رغبت في ذلك؛ فحكومته تسيطر بالفعل على الأراضي، وأقصى ما تستطيع روسيا القيام به هو حجب الدعم الجوي في الصراع الذي انتهى إلى حد كبير؛ وعلاوة على ذلك فإنه فمن غير المحتمل أن تخاطر حكومة بوتين بعلاقاتها الوثيقة مع دمشق لأنها استثمرت كثيراً في سوريا. أما الاعتقاد بأن موسكو لديها الرغبة أو حتى القدرة على إجبار إيران على الانسحاب من سوريا فهو أمر خيالي؛ وبخاصة في ظل التحالف طويل الأمد بين إيران وسوريا ولديها مصالح في سوريا أكبر بكثير من الولايات المتحدة.

ويرى الباحث أن الموقف الأمريكي لايزال متغطرساً؛ واشنطن موجودة في سوريا بشكل غير قانوني، أما روسيا وإيران فقد تمت دعوتهما للتدخل من قبل الحكومة الشرعية لنظام الأسد (بغض النظر عن وحشيته)، ومهما كانت التوترات بين موسكو وطهران، فلا يوجد لدى موسكو أي وسيلة للضغط على إيران للخروج من سوريا، وبالنظر إلى سياسة الولايات المتحدة إزاء روسيا، فلماذا تقوم الأخيرة بتأييد واشنطن؟

تركيا والأكراد
ويقول الباحث: "يبدو أن إدارة ترامب تتصور أن الولايات المتحدة قادرة على استخدام الأكراد للحد من وصول القوات الإيرانية إلى سوريا، كما لو كانت طهران تغفل هذا الأمر، والأسوأ من ذلك أن القوات الكردية تدرك جيداً أن واشنطن لن تحميهم من تركيا أو أي استهداف آخر، ولذلك لا يتوافر لدى الأكراد الدافع الكافي لخوض مخاطر كبرى لصالح الولايات المتحدة، وحالياً تجرى دمشق مفاوضات مع المسؤولين الأكراد، وقد تسفر سيطرة نظام الأسد على الحدود التركية عن إرضاء أنقرة وإنهاء الغزو التركي الذي يستهدف بالأساس منع قيام دولة كردية مستقلة".

ويتوقع الباحث أن خطط الإدارة الأمريكية ستكون نهايتها الفشل، كما أن الدور الأمريكي لا يضيع الوقت والجهد والمال فحسب؛ وإنما يخلق خطراً جدياً لصراع أوسع؛ فالقوات الأمريكية تتخذ مواقع عدائية ومواجهة داخل منطقة حرب، وتحتل قسراً أراضي دولة أخرى، وإذا تجرأت دمشق وحلفاؤها على إطلاق النار ضد القوات الأمريكية (باعتبارها قوات أجنبية محتلة) فإن أي خطأ بسيط أو سوء تقدير سيقود إلى تورط واشنطن في نزاع عنيف مع القوات السورية والإيرانية وربما أيضاً الروسية.

مأساة الحرب السورية

والأسوأ من ذلك، بحسب الباحث، أن الولايات المتحدة لاتزال على خلاف مع تركيا حليفتها في الناتو، وقد وضعت واشنطن قوات أمريكية عسكرية بين الجيش التركي والميليشيات الكردية، ومن قبل وعدت واشنطن بإجبار الأكراد على الخروج من أراضيهم على طول الحدود، ولكن في الواقع ليست لديها سلطة للقيام بذلك. وفي وقت سابق من هذا العام، بدا خطر الاصطدام العنيف حقيقياً عندما وعد البنتاغون بالدفاع عن مواقعه في سوريا وهدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتوجيه "صفعة عثمانية" إلى الولايات المتحدة.

ويختتم الباحث قائلاً: "تظل الحرب الأهلية السورية مأساة، ولسوء الحظ يبدو أن إدارة ترامب تتشارك مع إداراتي أوباما وبوش في الاعتقاد بقدرة أمريكا على تحويل الشرق الأوسط بما يتوافق مع الصورة الأمريكية، ولكن تاريخ واشنطن في محاولة تحقيق ذلك ليس سيئاً فحسب بل إنه كارثي للغاية. وحان الوقت لوقف هذا النهج، ويتمتع ترامب الآن بفرصة فريدة لتغيير مسار السياسة الخارجية الأمريكية نحو الأفضل، من خلال عودة القوات الأمريكية إلى الوطن وترك مشكلة أجنبية واحدة على الأقل، وهي سوريا، لكي يحلها الآخرون".
T+ T T-