الثلاثاء 22 مايو 2018

الصمت "الأردوغاني" على دعوات ديار بكر.. منهج "إخواني" معهود يبرر الوسيلة





التزمت حكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الصمت أمام دعوات القيادي في حزب السلام الديمقراطي الكردي في تركيا صبري أوك، لإنشاء أربعة أقاليم مستقلة في ولايات ديار بكر ووان وأورفا وماردين ذات الغالبية الكردية. وتأتي هذه الدعوات بالتزامن مع انتخابات البلدية التركية الأخيرة التي خاضها أردوغان بلبوس أكثر من محلي بكثير، واستطاع خلالها حزبا السلام والشعوب الديمقراطيان الكرديان في تركيا الحصول على نسبة 9.7 % من إجمالي الأصوات الناخبة في تركيا، تركزت في الولايات الأربع، وهي نسبة تكاد تمثل 4.5 ملايين ناخب، بزيادة قدرها 30 % مقارنة بالانتخابات السابقة.

لا بد أن كثيرين يسألون أية جرأة هذه لدعوة انفصالية في تركيا؟ ومن قبل من! من قبل حزب يكاد يكون مصنفاً رسمياً على أنه الذراع السياسية لمنظمة العمال الكردستانية المدرجة على لوائح الإرهاب العالمية من قبل الاتحاد الأوربي وتركيا ذاتها. وحتى تكون الإجابة واضحة، لا بد من العودة للوراء، مع الإيذان باندلاع شرارة الأزمة في وجه الحكومة التركية.

تنبه كثيرون لإعلان الحزب الحاكم "العدالة والتنمية" عن بحث توسيع صلاحيات الإدارات المحلية أو، على الأقل، الترويج لهذه الفكرة بعدما اعتادت الإدارات الرجوع لأنقرة في كثير من الأمور، ولعلها تفصيلية.

وطبعاً تزامنت مع هذا الإعلان بداية مرحلة تاريخية في العلاقات التركية الكردية، بانفتاح تركي على كافة الأطراف السياسية الكردية، جر مشهداً كان عظيماً بالنسبة للأكراد، حين استقبل أردوغان نفسه زعيم إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني والمطرب الكردي المشهور شيفان في ديار بكر بتركيا، بعد أن كان هذا المشهد قبل عام فقط مجرد خيال.

حديث الحكومة عن القضاء على البيروقراطية عبر توسيع الصلاحيات، تبعه نشاط ملحوظ لحصر القاعدة الجماهيرية في المناطق الشرقية، تحديداً بين أحزاب العدالة والتنمية والكردية، أي إبعاد الأحزاب القوية عن هذه الإدارات التي تنافس في المحصلة على المقاعد البرلمانية وليس فقط على مستوى البلديات، كحزب الشعب الجمهوري اللاعب الأهم في إقليم هاتاي المجاور لديار بكر وماردين.

وكان اللافت إنشاء حزب كردي جديد موالِ لحكومة البرزاني، غضت عنه الطرف الحكومة التركية، وغصت به أحزاب العمال الكردستانية لوجود خلاف بين أكراد العراق وأكراد تركيا على إدارة الملف الكردي السوري. ولا يبدو أنه من الصعب التكهن بسبب استحداث هذا الحزب، إذ يبدو أنه يصيب عصفورين بحجر واحد، أولهما احتواء الأصوات الكردية التي لا تتفق مع مؤسسة العمال ولا مع الحزب الحاكم، وثانيهما تأسيس ند داخل المؤسسة الكردستانية يضعف من طموحاتها البرلمانية.

الأحزاب الكردية "الطموحة" تلقفت الكلمات المفتاحية عن توسيع الصلاحيات محلياً، وما أن حصلت على أصوات الأقاليم الأربعة التي تقدر مساحتها بثلثي مساحة سوريا، أطلقت العنان لطموحاتها الانفصالية الكامنة، وجاء الحديث بداية عن إدارة ذاتية لهذه المناطق على اعتبار أن جمهورها من الكرد و"أهل مكة أدرى بشعابها".

وبين حقل الألغام الذي جر الخطى إليه مرغماً، أردوغان في غضون الأحداث الانتخابية، قابل هذه التصريحات بالصمت، ولا يمكن التعامل مع صمته بشكل مستقل، فحتى الحزب الحاكم لم يرد عليها، لدرجة أن وزير الداخلية الأسبق في حكومة العدالة والتنمية، إدريس نعيم شاهين، وجه انتقادات لاذعة لهذا السكوت.

وفي المقابل، ردد معلقون أتراك موالون للحكومة وجهة نظرها – في مقدمتهم عبدالله غول الناطق باللغة العربية- في أنها تريد توسيع المجالس المحلية المنتخبة بشكل دوري من قبل الشعب، لتقود هذه المجالس بدروها بعض الأمور التي لا علاقة لها بالسيادة الوطنية.

لكن للمسألة تبعيات انفصالية واضحة وربما على مستوى الإقليم، قد لا يراها الأتراك أنفسهم. فبمراجعة سريعة للمشهد الكردي في سوريا يمكن ملاحظة أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بزعامة صالح مسلم أعلن مطلع العام الجاري إدارة ذاتية في المناطق السورية ذات الغالبية الكردية منها عين العرب، أو كوباني، وعفرين على الحدود مع تركيا، وبعد أيام تحول المشروع إلى حكم ذاتي وتم إعلان تشكيل الحكومة. وبطبيعة الحال، يمثل حزب صالح مسلم امتداداً سياسياً وعسكرياً في سوريا لمؤسسة العمال الكردستانية، غير أن مشروع الحكم الذاتي رفض من قبل إقليم كردستان المتاخم لمناطق واسعة من المشروع، والسبب أن رئيس الإقليم مسعود البرزاني سعى كثيراً لرعاية مصالحة بين أكراد سوريا، لتوزيع الأدوار بين صالح مسلم والمجلس الوطني الكردي السوري المحسوب في توجهاته على حكومة البرزاني، بغية أن تكون هذه الحكومة أو الإدارة مشتركة، أي لا يتفرد في قرارها صالح مسلم ويخرج عراب المصالحة بعدها "من المولد بلا حمص"، إلا أن مسلم استمر في ممارساته، وفشلت اتفاقية "هولير" للمصالحة أكثر من مرة.

لكن يبدو أن حكومة صالح مسلم بدأت تستعيد آمالها بعد الإعلان عن قرينتها في تركيا، أو على الأقل إطلاق بوادرها. وهنا يكمن السؤال، هل صالح مسلم كان على علم باقتراب موعد الإعلان في تركيا، خصوصاً وأنه رفض كل الأطروحات التوافقية مع أربيل؟

على كل حال، تبدي حكومة أردوغان صمتاً أمام هذه الوقائع، غير أنها عملياً تعمل ضمن سياسة جماعة الإخوان المسلمين القائمة على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فلغايات الحكومة في اجتياز المرحلة الراهنة، تقوم بإطلاق تعاريف مختلفة لإعلان الإدارة الذاتية، وتصفه بتوسيع الصلاحيات، رغم أنه قد يشكل فيما بعد مشروعاً انفصالياً أو جهود، تمتد إلى سوريا، تحديها يصبح مسألة دموية.

ولا يقف عمل الحكومة التركية عند هذا الحد، فهي تعلم تماماً ماذا تعني هذه الدعوات وما تداعياتها على المنطقة، فبالرغم من أنها تعززها مرحلياً، تزرع منذ الآن طريق المشروع شوكاً باستحداث أحزاب لتقليص نفوذ أخرى، وحتماً ستحبط المشروع في مراحل متقدمة، والكرد يعلمون ذلك، لكنهم ما يزالوا يعملون منذ عقود على طموحهم القومي.

أقول، "تبرز سياسة أردوغانية توأمة لسياسة النظام السوري لا بل قرينة لها في أبشع صورها"، أما النظام السوري فقد مارسها مع كرد سوريا، بالتغاضي عن إعلان الحكم الذاتي -بشكل مرحلي- ليتفرغ لصراعه الممتد بامتداد سوريا، وأما "الصمت الأردوغاني" على دعوات ديار بكر الأخيرة، ليس على وقع الصراع العسكري، بينما هو لكسب معركة انتخابية في مواجهة حزب محلي مشروعه وطني، وربما أكثر من حزب.


T+ T T-