الأحد 25 فبراير 2018

"مرآتي يا مرآتي"







كنت أحب كابتن ماجد في صغري لدرجة الجنون، فوجدت أن الحل الوحيد التخلص منه نهائياً، كوني لن أستطيع الولوج لعالم الكرتون والعيش معه، رغم كل الساعات التي قضيتها أتخيل ذلك، وبالتالي أغلقت أبوابي في وجه الكابتن ماجد معلنة "انفصالنا النهائي"، فلم أشاهده أبداً منذ أكثر من 15 عاماً.

كل المثاليات التي شكلتها شخصية الكابتن ماجد لم تكن تعجبني، شيء ما فيها لم يكن حقيقياً، وربما هو ما جعلني أقرب لحافة الجنون في علاقتي معه، وحين كانت سندريلا المظلومة تنتعل حذاءها أخيراً بسلاسة ليعرف الأمير ،"الغبي برأيي"، أخيراً أنها هي التي يبحث عنها، كانت الدموع تطفر من عيني، ليس فرحاً، بل كنت أميز غيظاً كون زوجة الأب لم تفلح في مسعاها بعد كل جهودها.

كذلك في سنووايت، أعجبت حقاً بالملكة الساحرة، خاصة وهي تحدث مرآتها، وطفقت لأوقات كثيرة، لا أقلد سنووايت التي بالغت في طيبتها درجة "البلاهة"، بل أقف أمام أي مرآة كانت وأردد "مرآتي يا مرآتي"، وحينها تتملكني كل قوى السحر في مخيلتي وأراني بتاج الملكة الشريرة أعلم وأكثر حكمة من البلهاء سنووايت.

سعدت أكثر حين قرأت لأول مرة في بدايات المراهقة حقيقة حكايات الجنيات، وتعرفت للأخوان "غريم"، اللذان جمعا قصص الأطفال تلك، لكن سروري الحقيقي حين اكتشفت أن القصة الحقيقية وراء تلك الشخصيات تختلف كثيراً، فعروس البحر تموت حزناً في النهاية بعد غدر الأمير بها، وفي قول آخر لم تكن عروس بل "عريس"، وسنووايت تكشف وجه قسوتها حين تقتل وزوجها الجديد زوجة أبيها بأشنع الطرق، وكذلك سندريلا، أما الجميلة النائمة ففي الحقيقة تتعرض للاعتداء وتفيق بعد ولادة طفل دون أن تدري بحملها، أما قصة ذات الرداء الأحمر الحقيقية فحدث ولا حرج.

ربما الكابتن ماجد كان آخر عهدي بمحبة الشخصيات الكرتونية المبالغ في إظهار طيبتها وروعتها وبهائها وذكائها وجمالها وتسامحها وتساميها، وكأنهم ملائكة حطت بين الشياطين، والأهم، المبالغ في إظهار نهايتها السعيدة.

برأيي تلك ليست مثاليات، فحين كبرت اكتشفت أننا جميعاً لحد ما مصابون بالشيزوفرينيا (الفُصام)، وللخيال أن يبقى فقط المساحة الوحيدة للحرية الكاملة، ليس على الصغار الاعتقاد بجماليات مبالغ فيها، تُصَعب عليهم أن يحبوا أنفسهم، كصديقة طفولتي التي قالت مرة حين كنا في الصف الثاني الابتدائي: "كم أنا حزينة، لن أستطيع أبداً أن أكون بطيبة سندي بل".

يُفضل أن نكون من البداية مطلعين على وجهَي المرآة، الوجه الذي يعكس شيئاً منا والآخر الذي لا نرى فيه شيئاً، وربما يأتي بألوان وأشكال كثيرة.

كما أن الحياة ليست أبيض وأسود!، هناك طيف كامل من الألوان، لماذا لا نترك الأطفال ليحبوا "أورسولا" الأخطبوط الشريرة في قصة عروس البحر، أو "كرويلا" من فيلم مائة مرقش ومرقش،أو الساحرة الغريبة، أو يقفوا مثلي أمام المرآة ويرددوا "مرآتي يا مرآتي"، فهؤلاء ألطف وأقل خبثاً من "الودودين" الذين نراهم في حياتنا اليومية، لنكتشف في نهاية المطاف أنهم أكثر شراسة من الوحش "الذي يأكل الأطفال".

ربما شخصيات القصص وأفلام الكرتون الشريرة ليست أشر من "الأشخاص الحقيقيون"، بل إن لها دوافعها المفهومة حيناً، وذات بعد إنساني ملتف حيناً آخر، الأمور أكثر عمقاً من هذه المفاهيم المسطحة عن "الشرير" و"الخير".. أكثر عمقاً من الخيال والواقع، هذا ربما ما علينا أن نشرحه للصغار ونحن نروي الحكايات ونفتح لهم الشاشات، ليقفوا أمام مرآة يصنعونها هم ويكتشفون مجاهلها بأنفسهم، لا أن نفرض عليهم المفاهيم النمطية على اختلاف "نمطياتنا".

ربما ساعتها بإمكانهم أن يرددوا "مرآتي يا مرآتي"، وهم يرون ما يدركون حقاً، بكل ما يعنيه "الإدراك" من معنى.
T+ T T-