الإثنين 19 فبراير 2018

تتزوجي فلسطيني أو سوري؟





أجلس في المقهى لا أنتظر شيئاً أو شخصاً بعينه، هواية محببة مع فنجان القهوة تتلخص في ترك خيالي يسعى على هواه، وأذني كذلك، وهناك تستطيع الاستماع لكل أنواع الأحاديث ومستوياتها، من التلفاز والراديو وبالطبع حاسوبك الذي يفتح أبواب العالم على مصراعيه، لترى وتسمع ما تشاء أو ما يلقيك حظك "الإلكتروني" على طريقه، لكن تبقى تلك الأحاديث الجانبية التي تتسرب لمسامعك من زوار المقهى الأكثر إثارة للاهتمام، ربما لقربها الإنساني، وكان أن جاء الحديث في هذه المرة من فتيات عربيات في طاولة مجاورة، عن الرجال.

وتناهت لمسامعي كلمات عن الحب والزواج، والحياة والأسرة والعمل والمال، والمستقبل.. والجنسية.

واحدة منهن كانت محط الانتباه من صديقاتها اللواتي أشعت أعينهن ببريق الاهتمام، وهي تحكي عن ذلك الشاب، الشاعر، المثقف، صاحب الشخصية الآسرة، ناهيك عن وسامته وأخلاقه العالية، وبغض النظر عن مدى صحة هذه المواصفات الأقرب للـ"خيالية"، بدأت صديقاتها بعمل شبه "محضر شرطة"، وأغرقنها بالأسئلة والتعليقات، والطريف في تلك المحادثة أن أسئلتهن جاءت بلهجات متنوعة، فكل واحدة منهن تحمل جنسية عربية مختلفة.

الإعجاب الكبير وكلمات الغبطة طفحت من وجوههن وألسنتهن، إلى أن جاء السؤال التالي .. "أي جنسية يحمل؟"، حينها ترددت الفتاة الفخورة للحظة، وخبا بريق فخرها ذاك، وقالت: "فلسطيني"، وبعدها "عينك ما تشوف إلا النور" على رأي إخواننا المصريين.

بالنسبة للجالسات على الطاولة، وغالباً بالنسبة للكثيرات غيرهن، لا يفكرن في "فلسطيني"، ليس من باب "التعزز"، لكن بالنسبة لأبناء تلك الفتاة (إن أنجبتهم من فلسطيني) سيكون مصيرهم غالباً في حال قررت السفر لسبب أو لآخر، "البهدلة" بكل معنى الكلمة في المطارات والمؤسسات الرسمية، والأنكى والأمر إن أرادت الهجرة أو تحملت المسؤولية وحدها مستقبلاً، هذا كان شيئاً يسيراً مما تحججت به الصديقات لإقناعها بالعدول عن التقرب من ذاك الشاب "الفلسطيني" لدرجة خطيرة، كالزواج مثلاً!.

ورغم أن ذلك "الفلسطيني" كان الحاضر الغائب، ورغم أنه لم يتقدم من الأساس لطلب يد تلك الفتاة، لكن حدة الهجوم من صديقاتها بدت واضحة في نبرة استهجان حين قالت إحداهن: "تتزوجي فلسطيني!"، وتأتأت أخرى بينما امتعضت إحداهن وبقيت الرابعة جاحظة العينين، حتى جاء تعليق من أخرى أن الأمر مثل الزواج من "سوري"، على اعتبار الأخير "الفلسطيني الجديد" اليوم.

العجيب يا سادة، أن أغلبنا، من الجنسيات العربية الأخرى، نعتقد أنفسنا بمنأى عن وضع مشابه لمأساة أهل فلسطين وسوريا، وتنمو يوماً بعد آخر شجرة العنصرية والتفرقة القميئة ضاربة جذوراً أكثر عمقاً من تاريخ العرب.

الفلسطيني أُجبر على العيش بين أشقائه غريباً، يقابل بمنح رفض التأشيرة غالباً، ويعامل جوازه أو وثيقته باحتقار ورقة مبتلة على قارعة الطريق، ولا أُجنب القيادة الفلسطينية اللوم هنا، لكن الأمر الوحيد الذي يبدو صعب المنال في كل هذا، أن ينال الفلسطيني احتراماً لأوراقه الثبوتية ويحصل على معاملاته الرسمية بإنسانية هو يستحقها كالباقين.

الفلسطيني يا أصحاب "الجنسيات الأخرى" هو إنسان، وبغض النظر عن قضيته، من حقه أن ينال معاملة كريمة، ألا يصبح كل ما يتعلق بالاقتراب منه مستهجناً غريباً، ألا يسعى حثيثاً ليحصل على جواز آخر، أي جواز كان، فقط ليعيش حياة طبيعية.

أعلم أن شريحة هائلة من العرب بمختلف جنسياتهم يعانون أوضاعاً متردية بدورهم، وربما هنا بيت القصيد، من لم يكن منكم على "بهدلة" أو "عالم ثالث" فليرمي شقيقه الفلسطيني والسوري بحجر، وليتزوج فقط من "جماعته" التي تحمل "جنسية أرقى"!.

T+ T T-