الأربعاء 21 فبراير 2018

بعد سنة من حكم تميم: ماذا تغير في قطر باستثناء أميرها؟

بعد سنة من تسلمه الحكم رسمياً أثبت تميم أنه الوجه الآخر لحمد(أرشيف)
بعد سنة من تسلمه الحكم رسمياً أثبت تميم أنه الوجه الآخر لحمد(أرشيف)
يرفض أهل السياسة النظر إلى الأمور من وجهة نظر سطحية أو عفوية، فلكل حركة معنى ولكل إشارة مغزى وما على الجمهور سوى المتابعة الدقيقة وفك شفرة الرسائل الموجهة لمن يهمه الأمر، وعليه يرى المتابعون أن زيارة الشيخ تميم بن حمد أمير قطر إلى باريس في 23 يونيو (حزيران) بعد سنة بالضبط من زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى الدوحة، التي اقترنت بمباركته ارتقاء الأمير الشاب عرش الإمارة الصغيرة قبل يومين من إعلان تنازل والده عن العرش في 25 يونيو(حزيران)2013.

اقتصادياً لم يتميز الحكم الجديد بأي تغيير واستمرت الخيارات السابقة التي ساهم بقسط هام في وضعها عند ولايته العهد
سيتي غروب عجز الموازنة القطرية بداية من 2015 وباريبا الفرنسي يقول يؤكد الدين القطري بلغ
ارتفاع الدعم القطري للمسلحين في سوريا إلى 3 مليارات دولار للتسليح و1 مليار للإعلام
السياسة القطرية الاقتصادية والديبلوماسية من صنع الأمير تميم منذ سنوات ولاية العهد
ولأنه لا مجال للصدفة في هذه الملفات فإن زيارة أمير قطر المعروف بميوله وتعلّقه بفرنسا وباللغة الفرنسية وأيضاً باستثماراته المتنوعة في فرنسا، فرصة فريدة وربما وحيدة للأمير ليؤكد لنفسه أولا ولقطر السياسية وقطر العميقة التي تضم أصحاب المصالح الخاصة والشبكات المالية الغامضة والمشبوهة أن بلاده ليست "جزيرة معزولة وعلى هامش التاريخ والحركة الدولية كما يصرّ على ذلك الإعلام الخارجي" المعادي بالضرورة للدوحة، بدليل ما تتناقله "الجزيرة" التي تجعل من قطر واحة الاستقرار والاعتدال والخيارات في الخليج وفي كامل المنطقة العربية.

مسار ثابت
ولكن حسابات وأمنيات الأمير الشاب لا تجد صداها إلا في نفسه على ما يبدو، فبعد سنة من الحكم والسلطة ورداً على السؤال المنطقي الذي يتبادر إلى الذهن: سنة، ثم ماذا بعد؟

عند تسلمه العرش من والده، ضجّ الإعلام القطري وبعض من الإعلام الغربي والعربي أيضاً بخبر "السابقة" التاريخية والدرس الذي توجهت به الدوحة عن التداول السلمي والحضاري والراقي وغيرها، لوصف انتقال السلطة في قطر، ولكن الحماس المتدفق سريعاً ما خبت جذوته لتترك المكان للشك والحيرة وبعد الآمال في تغيير جذري وحاسم مع السياستين الداخلية والخارجية على مستوى العلاقات الدولية والإقليمية وعلى مستوى الخيارات السياسية الاقتصادية والاجتماعية، التي انتظرها المتابعون تبين أن تميم هو الوجه الاخر لحمد مثل العملة نفسها.

ولكن الذين كانوا يتوقعون ريحاً وتغييراً ونفساً جديداً في قطر لم يعرفوا أو ربما تجاهلوا أن الوضع الداخلي القطري حتى قبل تنحي الأمير الوالد وبفترة طويلة كان من صياغة ولي العهد نفسه وفريق مستشاريه، ويكفي في هذا السياق أن نشير إلى تصريح الشيخ حمد نفسه في 2012 لصحيفة فاينانشيال تايمز أن"ولي العهد يدير بنفسه ومباشرة شؤون الإمارة الداخلية والخارجية بنسبة 80%" ما يكفي لتبديد الأحلام في  التغيير المنتظر والتحول الاستراتيجي، خاصة بعد مبادرة الأمير الشاب بتحييد رجل "الفضائح" القطرية في العقدين الماضيين رئيس الوزراء السابق الشيخ حمد بن جاسم، عُراب الصفقات المالية والسياسية المشبوهة والمدوية.

وبمجرد ارتقائه عرش الإمارة شاء حظ الأمير السيء أن يتزامن القبض على صولجان القرار مع تفجّر مجموعة أزمات تخبطت فيها الإمارة وكشفت بالمناسبة على أن الخط السياسي الذي تبنته قطر لم يكن في وارد التعديل بدليل الإصرار على التمسك بإرث الوالد المتفجّر وبالمسار الثابت الذي ساهم في خطه الأمير الجديد نفسه.

 وإذا كان الأمير الوالد قبل تخليه عن السلطة "يستشعر" نجاح استراتيجيته في الجوار والدول العربية والمتمثلة في تطويع الدول ذات الثقل تحت التهديد بتفجير التوازنات الطائفية وتقديم الإسلام السياسي إلى الواجهة لخلافة السلطة من أنظمة تبين فسادها وعجزها عن تلبية طموحات شعوبها، فإن انهيار حكومة الإخوان في تونس وخاصة في مصر في يوليو (تموز) بعد حوالي أسبوع من وصوله إلى السلطة فتحت في وجه الأمير بوابة التحديات التي كشفت استمرار الخيارات الكبرى وتناقضات السياسات القطرية.

ومنذ 25 يونيو (حزيران) 2013، اختار الأمير الجديد السير على نفس السياسة السابقة من ذلك أنه على الصعيد الداخلي مثلاً وبعد استبدال بعض الوجوه  في طاقم والده المتخلي وفي مقدمتها رئيس الوزراء بآخر أقل استعراضاً وبحثاُ عن الأضواء، ولكنه حافظ على نفس التوجه والخيارات وبالتالي تمسك بالفشل ذاته.

قصقصة أجنحة ومديونية
فعلى المستوى الاقتصادي مثلاً لم يتميز الحكم الجديد في قطر بأي تغيير بل على العكس استمرت الخيارات السابقة التي ساهم بقسط هام في وضعها عند ولايته العهد، ممثلة في الاستثمارات والاستحواذات الخارجية المدوية ولكنه وعلى عكس ما كان يجري زمن والده، عزز من قبضته المباشرة على هذه الاستثمارات التي لاتدخل تحت طائل أي بند لا في الموازنة العامة للدولة ولا في الإيرادات التي تعود بها على الدولة، بما أنها تخضع مباشرة لصناديق سيادية لاتخضع تسييراً وتصرفاً وإدارة لغير القصر الأميري مباشرة بعد تحييد المنافس الشرس السابق حمد بن جاسم.

وعلى هذا الأساس، بادر الأمير الجديد بتقليم أظافر حمد بن جاسم بإبعاده عن مجلس إدارة هيئة قطر للاستثمار الذراع الضخمة القطرية التي كانت توظف عشرات المليارات من مبيعات الغاز وفوائض الميزانية في مشاريع استثمارية كبرى تحت إشراف جاسم، ثم إجباره على بيع حصته في شركة الطيران القطرية التي كانت في حدود 50% إلى الصندوق السيادي الـ"حكومي" ولكن المثير أن مبلغ الصفقة بقي إلى اليوم مجهولاً ما جعل البعض يغامر بالقول إن العملية لم تكن صفقة بل سطواً رسمياً وأن الرجل الذي يجرّ وراءه ملفات ثقيلة عديدة قبل بالتنازل عن حصته في الشركة مقابل وعود بعدم الملاحقة والمساءلة عن فترة حكمه السابقة.

ويبدو أن هذه الصفقة تجد مُبررها القوي في المنافسة القديمة بين ولي العهد السابق والأميرالحالي وبين رئيس وزراء والده، ما جعل تميم يبادر عندما كان ولياً للعهد بإنشاء هيئة مختصة في مكافحة الفساد، وأسند إدارتها إلى شخصية مناهضة لحمد بن جاسم هو أحمد العطية.

وبعد سنة من وصوله إلى سدة الحكم لم يتغير الوضع الاقتصادي والمالي في قطر إلا بقدر ما يسمح به تطور الأسواق العالمية للطاقة التي تلعب فيها قطر دوراً رئيسياً بفضل المدخرات الضخمة التي تتوفر عليها.

ورغم التدفقات النقدية الضخمة التي تسمح بها الطاقة وصادرات الغاز، إلا أن ذلك لم ينعكس إيجابياً على المؤشرات الاقتصادية العامة، بما أن قطر تسير وفق سرعتين أو على سكتين حسب بعض الخبراء واحدة للحكومة والقصر وأخرى للاقتصاد الرسمي.

فإذا كانت الموازنة الحكومية تشهد فوائض ضخمة سنوياً وبشكل مستمر، فإن الاقتصاد الحقيقي في قطر والذي قوامه الأعمال والشركات والمؤسسات المختلفة لا يعرف نفس الوضع، بارتفاع مديونية القطاع غير الحكومي وفق ما جاء في أحدث تقارير بي ان بي باريبا الفرنسي في يناير(كانون الأول) 2014، من 38% من الناتج المحلي الإجمالي في 2009 إلى 50% بما يعادل 97 مليار دولار.

ومع ذلك لم يسلم القطاع الحكومي المدعوم بالتدفقات الضخمة المتأتية من مبيعات الغاز بأسعار مخفضة متعمدة من تبعات هذا الوضع بما أن المديونية الإجمالية للحكومة القطرية قفزت من 9.5% في 2008 إلى 37% في 2012 وهي آخر الأرقام الخاصة بحجم المديونية القطرية بعد مراجعات التوقعات والانجازات الفعلية في 2013.

في معرضه تحليله للتطور في مديونية الدوحة، قال التقرير الفرنسي المذكور، إن شكل ومصادر هذه المديونية في 2014، يدعو إلى القلق، بما أن كل الاستثمارات السابقة والديون كانت تخصص في جزء كبير منها قبل 2009 لتعزيز وتطوير قطاع الطاقة، ولكن بعد ذلك التاريخ انصب الاهتمام على قطاعات أخرى غير مضمونة بالنسبة للاقتصاد القطري، مثل قطاع الخدمات والبتروكيمائيات والخدمات المالية، وهي قطاعات لا يمكن التأكد من قدرتها على تحقيق الأهداف المرسومة لها خاصة في ظلّ ريادة دبي مثلاً في قطاع الخدمات المالية والمصرفية واللوجستية، وافتقار الاقتصاد القطري إلى المقومات التي تجعل منه وجهة للاستثمارات والخدمات المالية والسياحة التي تشكل محور الاهتمام الرسمي في قطر اليوم.

إلى ذلك قال التقرير إن إصرار الحكومة على تمويل مشاريع ضخمة تفوق إمكانات وقدرة الاقتصاد القطري على إنتاج الثروة، أو ما يمكن تسميته بالاستثمار المبالغ فيه، يفرض عليها اللجوء إلى "الخزانة السحرية" التي تمثلها الصناديق الاستثمارية التي تمثل قدرة مالية تزن 90% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وبسحب هذه السيولة لتغطية الديون تتعرض قطر لمخاطر حقيقية تثير الشك حول قدرتها على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الخارج.

إن هذا التقرير في أهم ملامحه يؤكد من جديد على أن السنة المنقضية لم تعرف لا تغييرات ولا تعديلات أساسية أوجوهرية في اقتصاد قطر، تماماً مثلما هو شأن المستوى السياسي، ما يعيد للواجهة مرة القول بأن السلطة الحالية في قطر هي التي كانت وراء أهم ملامح السياستين الداخلية والخارجية في الإمارة في السنوات الأخيرة.

ولكن تقرير البنك الفرنسي ليس الوحيد في هذا المجال، ويكفي هنا الإشارة إلى تقرير إلى بنك دولي آخر تحدث عن الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها قطر بسبب الاقتراض الخارجي، نعني هنا تقرير"سيتي غروب" الأمريكي الذي قال صراحة في يناير(كانون الثاني):"من المنتظر أن تسجل الموازنة القطرية عجزاً حقيقياً ومهماً بداية من 2015، بسبب تزايد النفقات العمومية والتقلبات المنتظرة في سوق الطاقة وتراجع الصفقات المدوية الحكومية".

قناع حمد على وجه تميم
ورغم إصرار الدوحة على تقديم "الوجه الشاب" لقيادتها بديلاً عن قناع الأمير السابق إلا أن الواضح هو أن الخيارات السياسية القطرية بقيت على حالها وليست في وارد التغيير والتعديل، فسياسياً واصلت قطر كما أكدته الأحداث العديدة التي عرفتها المنطقة في الأشهر الماضية التمسك بنفس الخيارات، أي الرهان على ورقة الإسلاميين والنفخ في صورة المتطرفين مع ضمان وصول تدفقات مالية كبيرة للمعسكرين في ذات الوقت، وذلك في الوقت الذي تتوالى فيه الإعلانات عن مشاريع ضخمة ومساعدات" من باب الالتزام بدعم الشعوب الصديقة والشقيقة" مثلما كان الوضع في مصر بعد وصول الإخوان للحكم أو في تونس عند سيطرة الفرع التونسي من التنظيم على مقاليد الحكم.

والواقع أن السياسة والاستراتيجية القطرية في الدول العربية و في المنطقة الخليجية من وضع وتصور الأمير الحالي منذ 2011 وليس السابق، والذي لم يكن بهذا المعنى سوى قناعاً او وجهاً للقرار ولكنه بأي حال لم يكن صانعه، ويذكر في هذا السياق أن الأمير تميم هو الذي أشرف على كامل السياسة الخارجية القطرية خاصة في الجوانب المتعلقة منها بمصر وتونس ثم في مرحلة لاحقة بكل من ليبيا وسوريا بما أنه كان صاحب اليد الطولى في الملفات الأمنية والاستخباراتية الخارجية بشكل مباشر، بإشرافه على الأجهزة المختصة أولاً بتعيينه لنائبين لرئيس الوزراء السابق وغريمه الشيخ حمد بن جاسم، وذلك إلى جانب إشرافه المباشر والسري على"الاتصالات الشخصية والدعم المالي القطري للقبائل الليبية مثلا التي تمردت على القذافي وانتهت بسقوط نظامه" وفق ما أورد الكاتبان الشهيران كريستيان شينو وجورج مالبرونو في كتابهما الصادر في 2013 تحت عنوان "قطر: أسرار الخزنة".

دعم ومليارات
أما عن سياسة دعم الحركات المتطرفة والمسلحة حتى بعد الانتقال السلمي للسلطة استمرت الأمور على حالها في عهد تميم كما في عهد والده بما أن الأمير الجديد كان المشرف الأول على تمويل الحركات المسلحة السورية منذ تحول الانتفاضة السلمية في 2012 إلى تمرد وحرب أهلية وحرب طوائف وأمراء حرب.

وفي هذا السياق، قال المحلل والباحث في الشؤون الاستراتيجية السوري في مدرسة العلوم السياسية بباريس والسوري بسام طحان في تصريح إذاعي في يناير(كانون الثاني) 2014 إن حجم الدعم المباشر القطري للتنظيمات المسلحة المتطرفة بلغ 3 مليارات دولار وفي المقابل لم تتعهد الإمارة لمساعدة اللاجئين السوريين بمناسبة مؤتمر المانحين الذي شهدته الكويت في بداية 2014، سوى 60 مليون دولار ما يُبرز أهمية استمرار تفجير الوضع السوري وإطالة أمد المجزرة فيها في ظل الأب حمد وفي ظلّ الإبن تميم أيضاً في السياسة الخارجية القطرية.

وبالتوازي مع المليارات التي تدفقت لتسليح السوريين ودفع رواتب وتسهيل سفر وتنقلات القيادات المتطرفة وتمويل تحركاتها وتغطية مصاريف التجنيد والدعاية أنفقت قطر حسب طحان أيضاً 1 مليار دولار للإنفاق على الإعلام والدعاية للحرب في سوريا.

ولأن سفينة قطر اختارت منذ سنوات الإبحار على صفحة بحر من الدم في المنطقة ولأن عملية الانتقال السياسي بقيت بلا معنى إلى اليوم قال المحلل السياسي الفرنسي في الشؤون الأمنية دايفد ريغولي روز في تعليقه على زيارة الأمير تميم إلى باريس الإثنين الذي أذاعته أخبار القناة الثانية الفرنسية في نشرتها المسائية الرئيسية ورداً على سؤال يتعلق بدور قطر في تمويل الحركات المتطرفة والإرهابية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها تنظيم داعش :" لآيتعلق الأمر بتمويل حكومي مباشر وواضح ولكن صاحب القرار السياسي في قطر يعتمد في ذلك على إعطاء الضوء الأخضر للجمعيات ومنظمات المجتمع المدني للتحايل على الرقابتين الداخلية في قطر والخارجية الدولية لضمان وصول التمويلات إلى الجهات المناسبة".

وفي الواقع لاتحتاج القيادة السياسية والأمنية القطرية اليوم إلى تأكيد أو نفيها علاقتها بهذا الملف بما أنها كانت المشرف عليه في ظلّ الأمير السابق لسنوات كافية ما أتاح لها فرصة التمكن من التقنيات والطرق الكفيلة بضمان السرية والفعالية في آن.

على صعيد آخر وفي إطار التعرض لحصاد تميم في سنة، لا بد من التعرض إلى مسألة التجديد السياسي الموعود، وإذا تعرضت بعض الشخصيات السياسية في المنطقة وخارجها إلى الإحباط من "النسق البطيء" للإصلاحات السياسية في قطر والتجديد الموعود، فإن جهات أخرى في الخليج وفي العالم لم تكن تنتظر الكثير من عملية التداول على السلطة، بما أنها كانت على دراية بحقيقة الوضع السياسي في شبه الجزيرة الصغيرة.
وفي تقرير لم يجد ما يستحق من عناية إعلامية صدر في بداية 2014 تحت عنوان"قطر: تحول السلطة" قال المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية "إن التداول على السلطة لم يكن في الواقع سوى عملية تنفيس عن قطر بعد الضغوط الكثيرة التي تعرضت لها منذ تعاظم دورها في أحداث ما يعرف بالربيع العربي ودورها في تضخيم الإسلام السياسي باعتباره العنصر الأهم على الساحة السياسية في دول عربية عديدة" وأضاف التقرير ذاته في معرض حديثه عن الأمير الشاب والحداثي"لم يتخل تميم عن مرتكزات السياسة السابقة لوالده، وربما عزز من نسقها بشكل ملحوظ في فترة قصيرة" نضراً لتعرض التقرير إلى نصف سنة من حكم تميم، وأضاف"كانت الإدانة الكبرى لسياسة الشيخ حمد في مصر وتونس من أبرز الأسباب التي انتهت به إلى التخلي عن الحكم لفائدة ابنه" وعلى امتداد "السنتين السابقتين لارتقائه عرش الإمارة تمكن الأمير الشاب من توسيع نفوذه وصلاحياته" ومن أبرز القرارات الدالة على توجه الأمير الجديد" التخلي عن الانجليزية في الجامعة والعودة إلى الاقتصار على اللغة العربية، وإغلاق المركز التجاري الأشهر في الدوحة فيلاجيو الذي تعرض لحريق تسبب في مصرع 19 شخصاً بداعي مراجعة شروط السلامة، أو الأمر بمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم الخاصة في منطقة اللؤلؤة للأجانب في المنطقة السكنية الفاخرة" وهي توجهات تعطي حسب التقرير فكرة عن توجه الأمير ونظرته "للتحديث المحدود" الذي عرفته قطر في السنوات السابقة.

وعليه يكون التزامن والالتزام بزيارة فرنسا المشار إليها أعلاه، بعد سنة بالضبط من تأكيد التحالف بين الأمير الجديد والقيادة السياسية فيها وتخصيص أول زيارة رسمية لدولة أوروبية من قبل الأمير الشاب، رسالة مُفادها استمرار قطر في خياراتها السابقة وتعهداتها لمن يهمه الأمر في الشرق والغرب.
وإذا كانت الرسالة الأولى لباريس باعتبارها الحليف الدولي الكبير الوحيد الذي يمكن للدوحة الاعتماد عليه مقابل عشرات المليارات من الاستثمارات فإن الدوحة والطبقة السياسية فيها غير مستعدة لتعديل خياراتها التي سارت عليها منذ سنوات، الاعتماد على بعض المشاريع الكبرى التي يجري تنفيذها بالشراكة مع مؤسسات وطنية في قطر مملوكة بدورها لصناديق استثمارية تابعة لبعض الشخصيات النافذة بداية بالأمير نفسه مروراً بالمقربين منه، مثل صفقة الترام والميترو الأخيرة التي أعلن بمناسبة زيارة الأمير إلى باريس والتي بلغت قيمتها 2 مليار يورو(2.8 مليار دولار) في انتظار صفقة رافال وغيرها من العقود الضخمة التي يجد أكثرها طريقه بعد دورة في الاقتصاد الفرنسي وبين بعض الشخصيات طريقه إلى الدوحة من جديد.

وفي هذا السياق، أي الصفقات الكبرى لم تتغير الاستراتيجية القطرية القائمة على الدعاية والتبشير بمشاريع كبرى عملاقة في هذه الدولة أو تلك حسب قربها من المحور السياسي العام الإخواني والمتطرف، وحسب القدرة على الإفادة من رسكلة وتدوير جزء كبير من الأموال الموعودة في الدوحة التي تحولت كما جاء في مقال لغزافييه موني على موقع"بكشيش" المتخصص في التحقيقات الصحفية وبعنوان قطر أكبر مغسلة للأموال القذرة في الشرق الأوسط، وأساساً لغسيل أموال الطبقة السياسية الفرنسية منذ عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

وفي السياق نفسه، يقول نيكولا بو الصحفي الفرنسي صاحب كتاب" قطر: البطة الصغيرة اللئيمة" إن سياسة الاستثمار والدعاية الكبيرة التي ترافقها ليست سوى ورقة سياسية للضغط وشراء الولاء والإغراء، بدليل أنه رغم الثروة الضخمة التي تملكها قطر فإنها "وفي أحيان كثيرة تبدو من البخل والتقتير" ما يُصيب المتأمل بالصدمة فالبلد الذي يُبدد المليارات من الدولارات في مختلف أنحاء العالم، يماطل مثلاً في سداد مبلغ 200 ألف يورو(280 ألف دولار) معلوم العضوية في المنظمة الدولية للفرنكوفونية التي انضمت إليها قطر في 2012 برغبة من ساركوزي ورغم افتقارها للشروط التي تؤهلها للعضوية وأبرزها استعمال الفرنسية لغة ثانية في هذه الدولة، ما يعني أن كل الوعود والتصريحات حول المبالغ المالية الطائلة التي تعرضها قطر لا تجد طريقها دائماً للتنفيذ والتجسيم، بل تختفي فور انتفاء الحاجة أو غياب البعد السياسي والهدف من الإعلان عنها.

من الذي تغير في قطر
يمكن التأكيد في هذا العرض على أن قطر لم تتغير، فقط ارتقى الرجل الثاني السابق في النظام المكان الشاغر الذي تركه والده، طوعاً أو كرهاً ومضت السفينة تبحر في مياه متقلبة تهدد بإغراقها في كل لحظة، بسبب الإصرار على الأخطاء وتجاهل الدروس السابقة والمصالح الحقيقية والحجم الطبيعي والسياسي والاستراتيجي لهذه الدولة، وتبين بعد سنة أن وعود التغيير لم تكن سوى عبارات بلا معنى، وفي هذا الإطار وبالعودة إلى تقرير الملجس الأوروبي للعلاقات الخارجية، نجد"تزامن وصول تميم إلى السلطة الفعلية مع تصاعد ملف الشاعر الشعبي محمد ابن الذيب العجمي الذي صدر بحقه حكم بالسجن 15 سنة، وكان متوقعاً أن يبادر الأمير بتحريك هذا الملف بما يخدم الصورة التي حاول تمريرها للعالم، ولكن وبعد أشهر من تسلمه السلطة قالت دوائر قريبة من الأمير تميم إن ملف الشاعر القطري لا يوجد على أجندة واهتمامات الأمير والحكومة".

وإذا كانت "دار لقمان على حالها" كما يقول المثل، فإن ذلك لا يعني أن الأشياء غير قابلة للتغيير ويكفي في هذا الإطار كما يقول نفس التقرير الاستماع" إلى برنامج صباح الخير ياوطني الذي تبثه إذاعة قطر" للتأكد من أن "الانفتاح" الذي تؤكد عليه الدوحة مع اتخاذ كل الاحتياطات والإجراءات الكفيلة يلجم التذمر الشعبي، في طريقه رغم الرقابة والمضايقة إلى قطاعات واسعة من القطريين ويكفي الانتباه إلى التلميحات الكثيرة التي تتحدث عن الفساد وسوء الإدارة والإثراء غير المشروع والرشوة التي تفاقمت في الفترة الأخيرة" صحيح أن النقد وسهام السخط مصوبة اليوم نحو الشيخ حمد بن جاسم بعد عزله" ولكن الأكيد أن التعليقات وتدخلات القطريين في هذا البرنامج لا تكتفي برئيس الوزراء المعزول باعتباره أحد الفاسدين الكثر وليس الفاسد الوحيد.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الوحيد الذي تغير في قطر هو الشعب القطري نفسه مع بداية هذا الوعي السياسي الجديد، في انتظار تغيير حقيقي ربما في السلطة والحكم في الدوحة.

T+ T T-