الأربعاء 21 فبراير 2018

جهاد النكاح.. نساء بلا سفينة




حتى وقت قريب كانت الجماعات الدينية، وبعض التنظيمات الثورية ترى الحل لمأساة البشر أو لتغيير العالم، والأكثر من هذا الدخول في عالم آخر ثري وجميل بمعنى الأفضلية أو الوصول إلى عالم "نقي" بلا شرور وآثام، يكمن في التعجيل بإنهاء حياة البشر، عبر عمليات قتل متواصلة تحت مسميات مختلفة منها، وبعيداً عن العداء بين تلك الجماعات والمجتمعات عبر التاريخ وأسبابه، وعن فهمنا لتلك التصورات الدينية، فإن ما نعتبره عملاً إجرامياً، أو إرهابياً، مرفوض بمنطق الأديان نفسه، خاصة الإسلام، لأنه يقضي على مقاصد الشريعة، أو ما يعرف بالكليات الشرعية الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال).

وعلى العموم فإن العمليات الإرهابية في الماضي القريب، كان هدفها القضاء على حياة من تعتبرهم أعداء من أجل الآخرة، ورفض المدنس لإحلال المقدس، والخروج من ضيق البشر إلى سعة الخالق.. الخ.

آنذاك كان المطلب الدنيوي في الأعمال الإرهابية وسيلة وليس غاية، خاصة لدى الأتباع الذين هم في الغالب وقود للتضحيات وللمشاريع التي تلتقي فيها المصالح الدولية والنشاطات الاستخبارية، إضافة إلى التوجهات الأيديولوجية.. فماذا عنها اليوم؟ وما موقع المرأة فيها؟

لقد تغيرت الخلفية الفكرية للجماعات الإرهابية بحيث لم تعد مُتخلِيًّة عن نصيبها من الدنيا، خاصة في الشق المتعلق بالجنس، فجميلات الدنيا وقبيحاتها أيضاً ـ الجميلات للأمراء والقبيحات لمن هم دون ذلك ـ زوجات تحت شعار "جهاد النكاح" ـ اغتصاباً دون إذنهن وأهلهن.

تبعاً لما سبق ذكره، فإن الحرب الدائرة في بعض دولنا ـ ويبدو أنها ستعمم في معظمها في المستقبل المنظورـ هي تعبير عن كبت جنسي.. إنها حرب الغريزة، ومع ذلك فهناك قناعة راسخة لدى الإرهابيين بأن مصيرهم الجنة، وهم يسارعون إليها من أجل الحور العين.

والمحير أكثر أن نجد آباء يحرضون بناتهم على هذا البغاء المستتر ـ كما جاء في شهادة فتاة سورية ـ بل هناك من يعمل من أجل إقناع بناته بأن عمليات الزنا تلك جهاد في سبيل الله، وأجر من تقوم به الجنة، وينطبق هذا على بعض الأزواج الذين قدموا زوجاتهم للإرهابيين برضا وقناعة ـ حسب ما ورد في العديد من التقارير.

لا ننكر أن التاريخ الإنساني عموماً ـ والمسلمون جزء منه ـ جاد بمثل هذه الحالات، وإن وجدت فإنها لم تكن على هذا القدر من البشاعة التي نشهدها الآن، وأقل جهراً بالسوء أو زهواَ بها مما عليه الآن، بل إنه في تسعنيات القرن الماضي، حين عاشت بلادي الجزائر مأساة ما يعرف بالعشرية الدموية، قامت الجماعات الإرهابية بعمليات اختطاف بعض النساء ضمن ما اعتبرته استباحة لأعراض من أسمتهم بالطاغوت ـ من مسؤولين وعناصر في الجيش والشرطة ـ ثم شملت عمليات الخطف كل فئات المجتمع.

كانت الجماعات الإرهابية في ذلك الحين تتصيّد مواكب الأفراح في المدن بشكل عام والقرى بشكل خاص، وفي ظل خوف من العار لم تعلن كثير من الأسر عن اختطاف بناتها، وحين وضعت الحرب أوزارها، واجهت الجزائر ـ ولا تزال ـ مشكلة عويصة أطلق عليها اسم "أبناء الجبل"، وهم مجهولو الآباء، لأن أمهاتهم المخطوفات من الجماعات الإرهابية لا يعرفن ممن حملن من كثرة ما تعرضن للاغتصاب أو ما يسمونه اليوم بجهاد النكاح.

لا يمكن محاربة تلك الجماعات عسكرياً فقط، بل يجب التصدي لها فكرياً وقيمياً، وإلا فلننتظر الطوفان، ولكن بلا سفينة نوح هذه المرة.
T+ T T-