السبت 23 نوفمبر 2019
موقع 24 الإخباري

"ألف كرسي وكرسي" و"صندوق العجب" مشروعان يوثقان للقاهرة

لا أحد يعرف تاريخ الشوارع مثل الكراسي، لا أحد يملك سر البشر إلا هذه المقاعد المركونة أو الملقاة أو الجالسة تراقب المارين. الكراسي تحكي التفاصيل، تكتب التاريخ السري، تراقب وتخزن في ذاكرتها، وربما كان هذا كله السر وراء مشروع "1000 كرسي وكرسي" الذي أطلقته قبل ثلاث سنوات المهندسة المعمارية المصرية منار مرسي.

سعت منار لتعرف حكاية الشوارع ممن يملك سرها، من "الكراسي"، فأطلقت مشروعها الذي كان يرصد ويصور تلك المقاعد في الشوارع، ولأن الحكايات كثيرة، وناءت بحملها صفحتا فيس بوك وتويتر الخاصتين بالمشروع، أو مدونة تمبلر، قررت إطلاقها في كتاب "لو عايزين تعرفوا سبب صمتنا الفترة اللي فاتت على البيج، تابعونا عشان تشوفوا تطورات المشروع وهو بيتحول لكتاب سيتم نشره في آخر ٢٠١٤، إحنا رجعنا مرة تانية ننشر صوركم وصورنا للألف كرسي و كرسي".

تسعى منار إذن لتوثيق هذا التاريخ المهمل الملقى في الشوارع، لا يهم نوع الكرسي أو ماركته أو الشارع الملقى به، لا يهم إذا كان قديماً أم جديداً، ما يهمها هو التاريخ الذي يحمله هذا المقعد، والشاعرية التي يخبئها، لذا تختار منار مقاطع شعرية لشعراء عرب ومصريين يتحدثون فيها عن المقاعد.

"الكراسي ستُلقي بنا للحروبْ، الكراسي ستغمرُنا بالسّلامْ، الكراسي ستغفرُنـا كالذنوب، الكراسي- الجحيمُ، الكراسي - الشفاعـةْ، الكراسي التي كلَّما جـدَّ جِـدٌّ، ستهتفُ موتوا لتحيا الشجاعـةْ!، الكراسي التي كمْ تُحِبُّ الشّعوبَ، الشعوبَ - القناعـةْ، الكراسي التي، من دَمٍ فوقَ دَمْ، الكراسي التي، لا تُطيقُ بأن يُورِقَ الآن حُـــلْمْ، الكراس التي لم يكن أصلُها شجراً ذاتَ يومْ"، تختار منار هذا المقطع من قصيدة لإبراهيم نصر الله، كما تختار مقاطع أخرى للشاعر أحمد طه، وشاعر العامية الراحل أحمد فؤاد نجم، ليتبدل معنى الكرسي في كل مرة، كما تتبدل الوجوه، كأنه كل وجه/ كرسي يحمل معنى آخر، مرة سياسياً، أو اجتماعياً، أو تاريخياً.

تتعدد أشكال المقاعد التي تصورها وتوثقها: مقاعد المقاهي، ومقاعد محطات القطار، ومقاعد انتظار الأتوبيس، مقاعد المطاعم الشعبية، ومقاعد غير مستعملة، ألقاها أصحابها في الشوارع، مقاعد الشواطئ، مقاعد مكسورة، ومقاعد فقدت قدماً، تنسب كل صورة إلى شارعها الذي صورته فيه، كأنه شاهد على هذا الشارع.

منار مرسي، التي تخرجت في جامعة برنستون بالولايات الأمريكية، وأسست "ستديو ميم" سنة 2011، وهو ستديو تصميم، مقره القاهرة، تعمل على تحضير كتاب فني سوف يصدر قريباً بالتعاون مع الكاتب "ديفد بويج" بعنوان "التعلُّم من الرصيف: 1001 كرسي شارع". هذا الكتاب سيستكْشِف مدينة القاهرة وديناميكيّتها الحضرية من خلال "كرسي الشارع" الذي لا يلتفت إليه أحد، كونه شيئًا عاديًا وموجودًا في كل مكان.

لكن منار لا تكتفي بمشروع الألف الكرسي، وتوثيق الشارع المصري، بل تسعى إلى إعادة جزء من تراثه المفقود عبر مشروع "صندوق العجب"، الذي يعيد "صندوق الدنيا" الذي تعرفه الأجيال القديمة إلى الشارع مرة أخرى. تقدم عروضها في شوارع مختلفة مع زملائها، تستقطب الجمهور الذي شاهد صندوق الدنيا القديم، والجمهور الجديد الذي سمع عنه فقط. وبين هذا وذاك، تمزج بين التقنيات الحديثة والقديمة، بين الخيال والعمارة، بين الماضي والحاضر.

ما بين مشروعي "ألف كرسي وكرسي"، و"صندوق العجب" تبدو منار مرسي مغرمة بالتجريب والتوثيق، والحكي، وما بين الكراسي عن تاريخ الشوارع وحكي "صندوق الدنيا" عن الماضي والحاضر، ينتصر الخيال، وتستعيد القاهرة جزءاً من تاريخها الضائع.

T+ T T-