الأحد 21 أكتوبر 2018

وليس قرب قبر حرب قبر





أمام مسرح البالون بالعجوزة، قلت لسائق التاكسي الذي وقف وهو يزفر غضباً في وجهي:

ـ شارع إيران لو سمحت؟

رمقني السائق بنظرة لا تختلف كثيراً عن نظرته إلى نادية الجندي في فيلم "مهمة في تل أبيب"، قبل أن ينطلق بأقصى سرعة، وهو يتمتم بكلمات، أدعي أنني لم أفهمها، وقبل حتى أن أشرح له أن مقر الجريدة التي أعمل بها في شارع إيران، وليس في السفارة الإيرانية.

طبعاً، وكما ينصح دائماً خبراء التنمية البشرية، أخذت أسوق لنفسي المبررات، أن الأمر متعلق بتوتر العلاقة بين مصر وإيران، وأن هذا سائق وطني، ومرة أقول لنفسي إن هذا هو حال كل سائقي التاكسي، فمن المعروف في مصر إن السائق هو الذي يختار الراكب وليس العكس، يقف أمامك يتفحصك جيداً، ثم يقرر هل يسمح لك بتلويث سيارته الفخمة المقدسة موديل 56 أم لا.

حكى أحد الأصدقاء ذات مرة، أنه استوقف تاكسي، وبعد أن تحرك التاكسي قرابة المترين التفت السائق إلى الصديق وسأله: هل سبق أن التقينا من قبل. فهز صديقي رأسه نافياً، فأوقف السائق سيارته، قائلاً: "طيب معلهش، مش بركب معاي حد معرفوش".

طبعاً هذه أغرب جملة من الممكن أن يقولها سائق تاكسي في مدينة تعداد سكانها يتجاوز الـ 13 مليوناً. كنت أسوق المبرر لنفسي وراء المبرر، وأنا أشير لتاكسي وراء تاكسي بدا أنهم غير راضين عني فرفضوا الوقوف لي، حتى وجدت سيارة تتحرك من خلفي وتقف أمامي. هيأت نفسي وابتسمت ابتسامة عريضة تبدأ من أذني اليمنى إلى أذني اليسري، وقررت ألا أكرر غلطتي السابق، واخترت أن أقول اسم شارع قريب من الشارع "الملعون" الذي أريده:

ـ شارع مصدق يا أسطى؟

ابتسم الرجل ابتسامة أكثر اتساعاً من ابتسامتي، وهو يقول لي:

ـ هل تقصد الشارع الموازي لشارع إيران؟

شعرت أن الرجل بإجابته دخل عليّ غرفة النوم وأنا أغير ملابسي، وقبل أن أفكر في مهرب مناسب، فتح الباب قائلاً: اركب.

اكتشفت بعد أقل من دقيقة أنني ركبت مع سائق مجنون بالتنمية البشرية، إذ بمجرد ما دارت السيارة، حتى أخذ ينتقد سائقي التاكسي الذين رفضوا الوقوف لي، منتقداً العنف والغضب وقلة الذوق، مؤكداً أنهم بحاجة إلى دروس في التنمية البشرية.

ـ مثل هذه

مد يده إلى الدرج أمامي وأخرج أسطوانة لخبير التمنية البشرية إبراهيم الفقي

ـ أو هذه

مد يده الأخرى وأخرج أسطوانة أخرى من الشماسة أمامه

ـ أو هذه وهذه وهذه وهذه

مد يديه وقدميه وأخرج اسطوانات من أسفل المقعد الذي أجلس عليه، والذي يجلس عليه، ومن مشغل الاسطوانات، ومن جيب قميصه، ومن جيب جاكته، ومن المقعد الخلفي، ومن كل مكان.
كانت السيارة تتأرجح بنا في الطريق مثل لعبة الأفعوانية، وهو يخرج لي الأسطوانات مثل حاوي يخرج الثعابين في سيرك شعبي.

انطلقت دروس التنمية البشرية تمرح في العربة، مرة من مشغل الأسطوانات، ومرة من مشغل فيديو، ومرة من فمه، الذي لم يتوقف عن الكلام، ولم يمنحني حتى فرصة الإجابة عن أسئلته.

طبعاً لم أقل له أن خبراء التنمية البشرية بالنسبة لي ليسوا أكثر من نصابين، وأنهم لا يختلفون عن عبد المنعم مدبولي في فيلم قديم حاول فيه أن يقنع رجلاً قصيراً بأنه سيصير طويلاً إذا قال "أنا مش قصير قزعة، أنا طويل وأهبل"، أومثل ذلك الطالب السمج الذي يدعوك لأن تقول "وقبر حرب بمكان قفر، وليس قرب قبر حرب قبر"، لكي يؤكد لك أنك لا تستطيع الكلام، أو ذلك الشخص الذي يتحداك أن تقول "قميص نفيسة نشف؟ لسه ما نشفش" عشر مرات متتالية، مع أن الأجدر بنفيسة أن تتوقف عن نشر قمصانها أمام الناس، وتشتري مجفف ملابس وتريحنا من هذا.

الحقيقة هي أن أسهل شيء هو أن تصبح خبيراً في التنمية البشرية، وتوجه نصائح من نوعية "بعد أن تستيقظ، افتح عينيك"، "لا تشرب الشاي وهو ساخن، حتى لا يحرق لسانك"، "لا تدخل الحمام وهناك أحد بالداخل"، "ما توقفش قدام المروحة وانت مستحمي"، و"لو وقفت شوكة في حلقك وأنت تأكل السمك، قف إلى جوارها واسمعها واعرف مشكلتها، ولماذا وقفت هذه الوقفة، فربما تعذرها"، "لا تنم وأنت غاضب من أحد، فكر له في مصيبة أولاً قبل أن تنم"، "ليست السعادة في أن تمتلك هاتف آي فون، إنما السعادة في أن تمتلك شاحناً". وهذه النوعية من النصائح لا تحولك إلى خبير تنمية بشرية، بقدر ما تحولك إلى نصاب.

في فيلم "ذئب وول ستريت"، المأخوذ عن قصة حقيقية، بعد أن يخرج نصاب البورصة من السجن، يتحول إلى واحد من أشهر خبراء التنمية البشرية، وهذا دليل، على أن مهارات المهنتين واحدة، وهي الكلام، والكلام، والكلام، وأقرب مثال لذلك هو أن مؤلف كتاب "كيف تصبح مليونيراً؟" هو الوحيد الذي أصبح مليونيراً من مبيعات كتبه، وليس أحد غيره.

خبير التنمية البشرية عندي لا يختلف شيئاً عن الخبير الاستراتيجي، فكلاهما، لم يجدا شيئاً يفعلانه، فأصبحا خبراء، مثلاً لا أعرف لماذا يضيع شخص وقته بأن يقرأ كتاباً اسمه "كيف تحافظ على وقتك"، أو "اعرف شخصيتك من لون حواجبك" أو "كيف تبتسم في وجه حماتك" أو "النصائح الذهبية حتى تصبح أذكى إخوتك"، لأنه لو كان ذكيا لما فكر أن يشتري كتباً مثل هذه، أو "كيف تتحول إلى سوبرمان" رغم أن مؤلف الكتاب لو تحول حتى إلى "الجوكر" لما احتاج إلى أن يؤلف هذا الكتاب، وليس خفياً أن أرباح كتب مثل "كيف تقلع عن التدخين في 4 أيام" ـ لا أعرف لماذا 4 أيام تحديداً ـ تنافس أرباح شركات السجائر، وكلاهما يستمر في حصد الأرباح بلا توقف عن التدخين من أي أحد.

في مصر، وفي الدول العربية، انتشرت في الفترة الأخيرة مراكز التنمية البشرية، التي تُخرّج الآلاف سنوياً، ممن يعتقدون أنهم يملكون سر الحياة، وأن من حقهم أن يقدموا لك النصائح، تسأل الواحد منهم (دائماً يرتدي البذلة الكاملة، ويحمل حقيبة سوداء يخفي فيها مسروقاته)

ـ ماذا تعمل يا بني؟

فيرد بفخر أول إنسان على سطح المريخ: أنا خبير تنمية بشرية.

لم أجرؤ طبعاً أن أقول حرفاً من كل ما سبق لسائق التاكسي، الذي فاجأني أنه خبير تنمية بشرية، ليس لأنني خفت منه ـ فقط ـ بل لأنه لم يعطني فرصة أصلاً لأتكلم، بل كان يفاجئني بنصائح إبراهيم الفقي في وجهي الواحدة تلو الأخرى، حتى تورمت عيناي.

أصر الرجل أن آخذ بعض أسطوانات إبراهيم الفقي وأن هذا واجبه تجاه إخوته في البشرية حتى ينير طريقهم للمعرفة، وأمام إصراره قبلت هديته مجبراً، لكن قبل أن أفلت بجلدي: وجدته يناديني:

ـ ثمن الأسطوانات

طبعاً بلا جدوى حاولت أن أقنعه أنني لا أريد، ولكنه كان قد تخلى عن كل نصائح خبراء التنمية البشرية بعدم الغضب والاشتباك مع الزبائن والنصب عليهم.

بعدها بشهرين قرأت في الصحف أن إبراهيم الفقي مات محروقاً في شقته.


T+ T T-