السبت 17 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

الشاعر المصري مؤمن سمير: أكتب العالم لأكتبني

الشاعر مؤمن سمير
الشاعر مؤمن سمير
الشاعر المصري مؤمن سمير يعمل خلال هذه الفترة على تهذيب عدة تجارب كان قد انتهى من صياغاتها الأوليَّة، الأولى تجربة إيروتيكية خالصة ومتصلة، يقول: "عندي مقدماً يأسٌ في إمكانية نشرها.. ولا أعني تعنت الرقابة، (معقول يبقى لسه فيه حاجة اسمها رقابة لحد دلوقتي؟) ولكن الأمر يتعلق بأمنيتي أن يتعاون معي فنان، ليتضامَ جناحا التجربة، وهو ما يجعل التكلفة عالية ومستحيلة حالياً".

صاحب "بهجة الاحتضار": أنتمي لجيل التسعينات الذي استطاع أن يتخلص من قداسات كثيرة حتى وإن وقع في نفس الفخ
ويضيف: "التجربة الثانية كتاب يحمل نصوصاً مفتوحة، يمكن أن نقول إن فيها قصائد ومقالات وآراء، تصوف في البداية ثم يتسع مفهوم الإشراق ويتمدد أو يتضاد أيضاً"، أما التجربة الثالثة فديوان شعر يحمل حكياً وحواديتَ وحنيناً مَرَضياً وملتبساً لكل بعيد، بحسب تعبيره.

هنا شهادة لمؤمن سمير، الذي أصدر عدداً ضخماً من الدواوين منها "غاية النشوة"، "بهجة الاحتضار"، "تفكيك السعادة"، "تأطير الهذيان"، و"عالقٌ في الغمر كالغابةِ كالأسلاف".

علاقتي بالشعر

يقول الشاعر المصري: "علاقتي بالشعر هي أكثر العلاقات في حياتي تشابكاً وتعقيداً، علاقة تحتمل المحبة والشك المضني وإغماض العين بأمان والتصارع والقتل أيضاً، هذا الكائن الماكر يطوع جسده المرن حَسَبك أنت، جاءني في أهابِ شحاذٍ بعينين لامعتين وعلى ظهره مخلاةً وقال لأنك وحيد وتفشل حتى في الحديث مع ذاتك افتح لي عيونك، ولأني خائب أصيل لم أفتح عيوني فقط بل مسامي كلها، ورعشتي وقوتي وضعفي، فامتلكني للنهاية، وهكذا صارت كينونتي أن أعيد صياغة وترتيب كل ما تلتقطه حواسي من كمالٍ مغرور مكتفٍ، باقتناص النقص والفوضى الوحشية الحميمة التي كانت تتوق للانطلاق والتحليق، والتى هي النظام الأول والحقيقي، ثم أبث حديثاً مليئاً بالضحكِ والسم لنصبح أنا والموت أصدقاء فعلاً، ومرة ثالثة أندهش بصدق الرعشة بعد مس قلب الأشياء المخفي المتواري عن ذاته ويقينه، مراتٍ يريني الشعر أن الانفصال وهم، فأصدق وأجمع بين الأجزاء والأطراف والأضداد بسلاسة، لا أنتبه لدبيب حوافها إلا وأنا أقرأ مجازي الذي يحتمل عدة معانٍ، ويرمي بشباكه في عدة بحور.. أرتعب منه للحظات، لكن حالتي وأنا معه، بالفعل تكون هكذا، صادقٌ يا أخي والوجود الذي يكشف عن سره القديم كل حينٍ، صادقٌ أيضاً، والآن وبعد كل هذه السنوات تُطل الحالة من شُبَّاك روحي وهي تحمل شكلها ولغتها وسؤالها وأزمتها، فأجدني مرةً في نصٍ صافٍ وشاعريته تستبين من خلال طاقته السردية الهادئة التي تعمل تحت السطح، وفي مرة ثانية تكون اللغة مُحمَّلة وساخنة وتشد المتلقي معها بعنف الهستريا، في حالةٍ أطل من ثقبٍ ضيق، فأجد الكلمات تتقاطر، وفي أخرى تتسع الحدقة فأغرق في لهاثٍ واتساعٍ وبحرٍ باطنهُ غامضٌ ونَهِم، الخلاصة أنني قديماً كنت أنتمي لمدخلٍ وحيدٍ، وحتى لو تغير كل فترة فهو آمن وحان، أما الآن فلا أنتمي لأية قيمة نهائية، وأخاف من كل حان، أجرب وأشك وأسألني وأرتبك، أين أجد هذا الشعر ومن أين يخرج وكيف ولماذا، طول الوقت، أذوق ملحه وأرتعد إذا وصَلَت نظرتي لنشوته الضالة وهي تبتعد، في الشمس اللاهبة أو في القبو، هو معي أو بالأحرى أنا الذي ألهث وراءه كظلٍ لا يعتذر عن الخيانة أبداً.

اللعب مع الأزمات
في الأعمال السابقة كنت تحت وطأة الوجود وثقله الممض، اليوم أنا ألعب مع الأزمات بلا يقين الوثني الذي يتعبد في الهواء الطلق، العاري من أي عظام ولا جلد، قديماً كنت خائفاً والآن أنا أكثر خوفاً ولكني أكثر اتساعاً وأكثر حسية مع البشر والأشياء والذكريات والكوابيس، أكتبني أم أكتب العالم؟ بل أكتب العالم لأكتبني، وبالنسبة للشعراء فأنا أتابع كل النماذج المصرية من كل الأجيال وكذا تجارب البلاد العربية وألمس خصوصية كل تجربة ونجاحاتها وإخفاقاتها وأحببت كثيراً ريتسوس ورامبو وبودلير وفيليب لاركن وجاك بريفير وجويس منصور وأورهان والي وإميلي ديكنسون وفروخ فرخ زاده وكفافيس وتشارلز سيميك ونيكانوربارا وهنري ميشو، لكني الآن أقضي أوقاتاً أكبر وأكثر قسوة مع فرناندو بيسوا وبورخيس، أعتبر نفسي من أبناء جيل التسعينات، الذي يتبقى له أنه استطاع أن يتخلص من قداسات كثيرة، حتى وإن وقع في نفس الفخ، وقدس بعض أفراده وصفته الجاهزة لقصيدة التفاصيل، أو ردد أمام مرآته أكليشيهاته وشعاراته التي تمزقت حوافها: نفي الأيديولجيا وكتابة الجسد الخ، مَنْ أفلت من فخ النمط نجا وأكمل السكة، ومَنْ شرب من نفس البحر كان له نفس المذاق، مَنْ اتسعَ وارتحلَ كان ومن لم يخن لم يكن.

حينما عادت الكتابة
قديماً انقطَعَت عني الكتابة فترة، وعندما عادت إلىَّ كتبتُ ثلاثة نصوص، الأول قصة، والثاني قصيدة بسيطة بلا مجازات ظاهرة، والثالث قصيدة لغتها فخمة ومليئة بالفخاخ، وقتها انتبهت لوضعٍ كنت أظنه بديهياً إلا أنني لم أعاينه من قبل: وضعت الثلاثة بجوار بعضها، وأخذت أقارن وأشم وأحس، كانت الفروقات بين المكتوب تشي بالاختلاف في التوجه والانتماء، بعدها هززت رأسي وفتحت بصيرتي وتذكرت كذلك المقالات والمسرحيات، كلها منظورات مختلفة وزوايا رؤية وأسئلة تصاغ، مَنْ يختار الشكل واللغة والصياغة؟ النص نفسه وإن كان عبري أنا، مرةً سألت فتحي عبد الله عن عدم كتابتي للرواية وعدم تفكيري في الأمر وعدم المحاولة، قال: أنت شخص باطني، يعني تكوينك يجبرك على التعامل مع الناس بشكل غير مباشر، بالإيحاء والرموز والفن، بمعنى أنك شاعر طول الوقت، في كل ما تفعل ولهذا تمرض أمراضاً غامضة.. غيرك استطاع لأنه حاول وجرب وأراد، لكنك لن تحاول أبداً وستهرب قلت له ليكن، بالنسبة للمستقبل أتمنى أن تُنشر كتبي المخطوطة لأتخلص منها وأصير بلا ذاكرة، هذا إذا لم تعجز أعصابي عن تحمل اللعبة أو تجبرني أظافر الوجود على النظر من بعيد، وساعتها سيكون الفضول مريعاً، لأعرف ماذا ستكون أبعاد وقواعد اللعب الجديدة مع هذا الملتاث المسمى بالشعر.
T+ T T-