الخميس 18 أكتوبر 2018

...ومن يصنع "المؤسسة الدينية"؟





تنحو مقالات كثيرة تتناول نقد الإسلام السياسي إلى إجمال كامل التراث والحضارة العربيين- الإسلاميين في موقف سلبي واحد يقترب بعضه من الكلام المرسل حتى يكاد أن يلقي الطلل مع ماء الغسيل.

النتاج النقدي للإسلام السياسي في مرحلة ما بعد الثورات العربية ما زال في حاجة إلى تعمق وتجذير أكبر بكثير مما نشهد اليوم في مقالات صحافية وبعض الدراسات القصيرة. يغلب على كتّاب النتاج هذا علمانيون من أصحاب الاطلاع غير المتكامل على التراث الفكري والفقهي للحضارة الإسلامية. ولا مشكلة في ذلك، ما دام أن الإسلام هو الشغل الشاغل هذه الأيام ومن حق الجميع تناوله ومحاولة فهمه وإصلاح ما يرون أنه في حاجة إلى الإصلاح ما دام أن الإسلام يؤثر في حياتهم اليومية، سواء عبر دعاته – وهؤلاء طبقات وفئات شتى – وسعي الإسلاميين السياسيين إلى فرض نموذجهم ورؤيتهم وقيمهم التي يعتقدون أنها قيم الإسلام، على المجتمعات التي يعيشون فيها، متجاهلين سماتها وخصائصها وهوياتها وتاريخها، تجاهلاً يفوق بأشواط تجاهل ناقدي الإسلام لحيثياته.

المقصود "بالطفل وماء الغسيل" أعلاه هو أن القسوة اللفظية لا تترك مجالاً لتحديد الخط الفاصل بين الجهة التي يتوجه النقد للدفاع عنها وبين الأفكار والممارسات المنقودة. فإذا كانت المجتمعات العربية واستطراداً الإسلامية هي ما يقصد هؤلاء الكتاب حمايته من تطرف الإسلام السياسي الذي وصل ذروته مع "داعش" ومن لف لفها، فذلك يتطلب توضيحاً وتدقيقاً.

لنأخذ كمثال إلى ما نرمي اليه مقالة علي حرب في الملحق الثقافي لصحيفة "النهار" البيروتية (20/9/2014). ففي المقال الذي يحمل عنوان "التنين التكفيري صنعته المؤسسة الدينية"، يرسم الكاتب صورة زاهية للحضارة العربية -الإسلامية وقدرتها على إنتاج قدر معقول من التنوير والتعدد وإدارتهما رغم موجات التشدد التي كان يشهدها المجتمع العربي في الماضي والتي باتت هي القاعدة اليوم. ويرسم حرب مشروعاً لإعادة بناء "الحياة الدينية على أسس وقواعد واضحة" وذلك بعد أن ينعي الإصلاح الديني ويجزم باستحالته تماماً مثلما يستحيل إصلاح الأنظمة الديكتاتورية.

في الوسع قبول أو رفض مقولات الكاتب وبرنامجه فثمة مئات البرامج الإصلاحي والنهضوية التي يمكن العثور عليها في بطون الكتب أو وضعها وصوغها وتكون على أفضل ما يرام، إلى أن تتعرض للتجربة. فالتشديد على أن العرب قد ذهبوا ضحايا أفكارهم، على ما يقول صاحبنا، محملاً وزر الكوارث التي تنتقل بينها المجتمعات العربية، ينطوي على الكثير من الرؤية الثقافوية للتاريخ وحركته.

وإذا كان "التنين التكفيري صنعته المؤسسة الدينية" على ما جاء في العنوان، فالتسلسل المنطقي في السؤال هو عن الجهة التي صنعت المؤسسة الدينية. الجواب الأبسط هو السلطة السياسية. فسؤال جديد: كيف تُصنع السلطة؟ نزعم أن هنا يكمن لب الموضوع. صناعة السلطة وقيامها وحطامها في العالم العربي. هنا نكون قد وصلنا إلى البداية الفعلية للنقاش: طبيعة المجتمعات التي تنشأ منها هذه السلطات. لا قبل ذلك ولا بعده.

لا تقدم القراءات الثقافوية، مهما بدت وجيهة وحصيفة، صورة دقيقة للواقع ما دامت تقفز عن حقائق السلطة والمجتمع وحركتهما في اتجاه التنديد الأخلاقي المترفع للظواهر السلبية، سيان أفرزها الإسلام السياسي أو انهيار مشاريع الحداثة والدولة في منطقتنا. بل تبقى تسبح في الماء القريبة من الشاطئ.

ومع علم الكاتب بأطوار ظهور وأفول موجات التطرف الديني التي ضربت المنطقة منذ أكثر من ألف عام، إلا أن اللجوء إلى التحليل الثقافوي عبر سرد للظواهر وليس للتيارات العميقة التي افرزتها وستفرز غيرها والتي تعمل في قيعان المجتمعات، يظل أسهل من النواحي المنهجية والفكرية، وأكثر قبولاً لدى جمهور متعطش لخطاب عجول وغاضب، من محاولات التفكيك والنظر العميق إلى المؤثرات التي جعلتنا نصل إلى هذا الواقع المزري.

لا ينفي ما تقدم الدور الخطير الذي تؤديه الثقافة، بمعناها الواسع الممتد من الإرث الديني إلى وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الحديث، في رسم صورة الحاضر، لكن قبل هذا الدور وبعده يأتي دور المصالح والأدوار التي مرّ علي حرب عليها مروراً سريعا في الفقرات الأولى من مقالته.

ويطيب لأصحاب هذا النوع من المقاربات إيراد الأمثلة عن التغيرات الفقهية من دون أن يلقوا بالاً إلى الاشتباك الرهيب الذي احتل قلب الاسلام منذ ظهوره بين الدين وبين السياسة. بين القبيلة والسلطة وبين التجربة الروحية. ولا يجدون عسراً في إيراد أسماء أشخاص مات أقربهم إلينا قبل أكثر من ألف عام وكأنه يعيش بيننا، من دون أن يسألوا أنفسهم السؤال البديهي والبسيط: كيف ذلك؟
T+ T T-