الخميس 18 أكتوبر 2018

هبط الفضائي في بابل!





اكتشاف 50 ألف "جندي وهمي" في الجيش العراقي، الحكاية التي أماط اللثام عنها رئيس الوزراء حيدر العبادي بنفسه، ليست أوّل أعاجيب ملفات الفساد الخرافية التي تنخر العراق، منذ الاجتياح العسكري الأمريكي سنة 2003 بصفة خاصة؛ ولن تكون الحكاية خاتمة الأحزان، أغلب الظنّ.

ففي كلّ يوم، لكي لا يقول المرء: على مدار الساعة، تعلن "هيئة النزاهة" العراقية عن أفانين في نهب المال العام لا تذهل بسبب مقاديرها، التي لم تعد تعدّ بالملايين بل بالمليارات، فحسب؛ بل تبدو صاعقة، حقاً، بسبب استسهال تنفيذها، وعدم اكتراث الفاسدين بالحدّ الأدنى من إجراءات الحذر أو التغطية أو التعتيم: "على عينك يا تاجر"، كما في القول الشائع! قول آخر، "حاميها حراميها"، انطبق على عدد من كبار المسؤولين السابقين في الهيئة ذاتها، كما كشف القاضي راضي الراضي، خلال استجواب أمام لجنة من الكونغرس الأمريكي، بخصوص تمويل الميليشيات الطائفية من أموال النفط العراقي المسروق.


وحول بعض نماذج النهب، خذوا هذا الإعلان الرسمي الصادر عن الهيئة: "تمّ ضبط محاولة للاستيلاء على أكثر من ثلاثة مليارات دينار في مصرف الرافدين عبر تزوير خطاب ضمان من قبل أحد الأشخاص، معنون إلى أحد المصارف الحكومية"؛ وأنّ فريقاً تابعاً للهيئة "تمكن من ضبط الشخص بالجرم المشهود"! أو خذوا هذا التصريح، الدراماتيكي تماماً، الذي نسبه موقع "الفساد في العراق" إلى العبادي نفسه، بصدد التلاعب بالبطاقة التموينية: "صدّام أشرف منكم يافسدة، كان يعطي الشعب 20 مادة في الشهر وأنتم تعطون ثلاث مواد وتسرقون 17 مادة"!

وبمعزل عن العراق، لأنّ الفساد ضارب الأطناب في الغالبية الساحقة من دول هذه البسيطة، ليست الظاهرة شارعاً وحيد الاتجاه، في كلّ حال؛ وثمة الفاسد والمرتشي وقابض العمولات، وهنالك أيضاً وبالتساوي: المفسِد والراشي ودافع العمولات. وتقارير منظمة "الشفافية الدولية" تسجّل هذه الحقيقة، بل تتكيء عليها بصفة أساسية حين تتحدّث عن العواقب البنيوية الوخيمة التي تلحق بالاقتصادات النامية، جرّاء شيوع الفساد في أجهزة الدولة المعنية مباشرة بالتنمية. والتقرير الرائد في هذا الصدد، الذي وضعه باولو ماورو في سنة 1995، أشار إلى أنّ الدول الأكثر فساداً تشهد القليل فالأقلّ من توجّه ناتجها القومي الإجمالي إلى الاستثمار، وبالتالي القليل فالأقلّ من معدّلات النموّ. وأمر طبيعي، استطراداً، أنّ هذه الدول تستثمر في قطاعات التربية والتعليم أقلّ بكثير من استثمارها في قطاعات إنشائية، لأنّ هذه الأخيرة توفّر فرصة سمسرة لا توفّرها الأولى.


وكان التنظير الرأسمالي البراغماتي قد اعتبر، مراراً في الواقع، أنّ نفقات الفساد (أو بالأحرى: الإفساد) ليست جزءاً طبيعياً من كلفة التنفيذ، فحسب؛ بل هي حصة حيوية لا غنى عنها في سياق تذليل المصاعب البيروقراطية التي تعترض الإجراءات الإدارية على اختلاف مستوياتها، من توقيع العقود ذاتها وصولاً إلى الاستلام النهائي للمشروع والمصادقة على سلامة تنفيذه. بمعنى آخر، كان أصحاب هذا التنظير لا يرون غضاضة في تقديم الرشوة، ولا يخشون في ذلك أية عواقب قانونية أو سياسية أو أخلاقية.

أكثر من ذلك، مضى زمن غير بعيد (أواسط الثمانينيات في الواقع) كانت فيه دورية اقتصادية رأسمالية عريقة مثل "هارفارد بزنس ريفيو" تعتمد ما يشبه الفلسفة "الثقافية"، المستندة إلى مقاربة "أنثروبولوجية" أيضاً، في تفسير شيوع الرشوة والفساد ضمن بلدان العالم الثالث. هذه "مكوس" لا تُدفع للفرد وحده، بشّر تحرير المجلة، بل تُمنح للقبيلة بأسرها؛ وثمة شبكة من المصالح المشتركة بين الأفراد والقبائل تستدعي تحصيل نصيب غير مباشر من الثروات، يُوزّع على أفراد القبيلة، أو يُصرف في تحسين سُبل عيشها داخل المؤسسة الأكبر للدولة!

وفي أحد مشاهد "هبط الملاك في بابل"، مسرحية السويسري فردريش دورنمات الشهيرة، يقول رئيس الوزراء: "لسنا مضطرين إلى وأد ثورة الشعب، بل يتوجب أن نوجهها لمنافعنا"؛ وهذا، على الأرجح، لسان حال كبار فاسدي العراق، خاصة أولئك الذين امتطوا مقادير البلد بدعم مباشر من الاحتلال الأمريكي، ثمّ التكوينات الرأسمالية والطائفية اللاحقة. وليس عجيباً، بذلك، أن يتندر العراقيون على حكاية "الجنود الوهميين"، فيختارون لهم صفة "الفضائيين"، فيهبط الفضائي في بابل!
T+ T T-