الثلاثاء 16 أكتوبر 2018

تذكر أنك تأكل جثة





"إن كنت تأكل سمكاً من البحر المتوسط في المرة القادمة، تذكر فقط أنك قد تأكل جثة"، قالها الكاتب الإيطالي ألدو بوسي، لوصف مأساة آلاف المهاجرين اليائسين، ساخراً على طريقة الكوميديا السوداء من تناول الليبيين والصوماليين والسوريين والعراقيين، سمكاً تغذى من لحم الغرقى.

مئات يتكدسون في مراكب متهالكة، حاملين معهم أطفالهم وأشلاء ذاكرة مزقتها الحرب، وأعياها الفقر والذل في بلدانهم، مفضلين الموت مع "شرف محاولة" الحصول حياة أفضل، وحلمٍ بـ"أرض الميعاد"، بيابسةٍ يحطون عليها بعد أيام قضوها في عرض البحر.

شباب جامعيون وطلاب، كانوا أملاً لبلدانهم المحطمة، دفعوا كل ما يملكون لقاء تذكرة على متن سفينة قد تصل إلى أي وجهة، إذ سبق أن فوجئ المصطافون بمدينة الإسكندرية المصرية بقرابة 44 شاباً، يخرجون من مياه البحر في حالة إعياء شديد، وعلى وجوههم ذهول تام، لأنهم تصوروا بعد البقاء في البحر مدة 6 أيام، أنهم وصلوا اليونان، كما أوهمتهم عصابة تسفيرهم، لكنهم فوجئوا أنهم حطوا في مصر، بعد أن دفع كل منهم من 2000 إلى 4000 يورو لقاء رحلتهم المنشودة.

ولعل حظ هؤلاء كان أفضل ممن وصلوا إلى شواطئ اليونان أو مالطا أو إيطاليا، وقُبض عليهم وأعيدوا لبلادهم، ومن آخرين قتلوا، مثل 500 شخص أغرقهم المهربون لرفضهم ركوب سفينة صغيرة، بينهم أم أنجبت أثناء الرحلة، وكان طفلها حديث الولادة ما يزال مربوطاً إليها بالحبل السري، عندما وجد الغواصون أجسادهم المحاصرة داخل السفينة الغارقة.

أكثر من 1700 لقوا حتفهم هذا العام، بعد أن تعثرت سفنهم في البحر المتوسط، وهذا الرقم بلا شك غيض من فيض، إذ يموت الآلاف خلال عبورهم من شمال أفريقيا إلى إيطاليا، ليس فقط عن طريق الغرق، بل من التسمم أيضاً بأول أكسيد الكربون المنبثق من المحركات، والمعارك المتكررة على متن السفينة المكتظة ونقص الماء والغذاء، فضلاً عن سوء المعاملة التي يلقونها بعد وصولهم من سلطات الدول التي شاء حظهم أن تحط سفينتهم على سواحلها.

ورغم محاولات دولية لمعالجة أعراض الهجرة بدلاً من الوقوف على الأسباب الجذرية، إلا أن الاتحاد الأوروبي ما زال عاجزاً عن احتواء المأساة، إذ أعلنت المنظمة الأوروبية لمراقبة الحدود، أن نسبة المهاجرين غير الشرعيين، زادت بنسبة 250% خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2015، مقارنة بنفس الفترة من عام 2014، كما تضاعف العدد الكلي من نحو 100 ألف مهاجر خلال عام 2013، إلى قرابة 274 ألفاً في عام 2014.

ولعل أهم أسباب الهجرة، تضاؤل وتدهور فرص العمل مع ازدياد أعداد الشبان في بلدان "العالم الثالث"، مع تفاقم الحروب والصراعات الأهلية التي تعصف بالمنطقة، وانعدام الأمن، وغياب القانون، ناهيك عن اتساع الهوة بين بلدان الشمال الغني وبلدان الجنوب الفقير، الأمر الذي يجعل الهجرة أحد الخيارات الاضطرارية للخلاص من الوضع غير الإنساني.

ويقع جزء من المسؤولية على الدول المتقدمة، التي تمنع الهجرة الشرعية وتفرض قيوداً وقوانين صارمة تحت زعم حماية مصالحها واقتصادها وأمنها، كما تتحمل الدولة الطاردة المسؤولية الكبرى، بسبب أنظمتها السياسية والاجتماعية وانعدام تكافؤ الفرص وعدم توفير الحد الأدنى من الحياة الحرّة الكريمة.

لا توجد حلول سياسية سهلة، رغم أن سيلفيو برلسكوني، أثناء توليه منصب رئيس الوزراء الإيطالي، وضع حداً لتدفق المهاجرين، بعقده صفقة مع العقيد الراحل معمر القذافي، لوقف انطلاق القوارب من ليبيا، لكن الصفقة ذهبت في مهب الريح، عند سقوط القذافي، بل تزايد عدد المهاجرين بأرقام صادمة مع انتشار الميليشيات المسلحة.

ورغم معرفتهم المسبقة بمخاطر الرحلة، يدفع اليأس الشباب المُعدم، ومعظمهم من خريجي الجامعات، إلى ركوب الخطر، لتحقيق الحلم الموعود حتى إن تحول لكابوس.

T+ T T-