الأربعاء 16 أكتوبر 2019
موقع 24 الإخباري

لو كان ابن تيمية بيننا





حاول بعض من يحسبون أنفسهم أوصياء على المجتمع والدين الحنيف، أن يثيروا – كالعادة – ضجة مفتعلة حول نشر مقالات تتطرق لابن تيمية وتأثيره في وقتنا الراهن، فاتسمت معظم ردود هؤلاء بالشتم والطعن والتهويل والتجريح الشخصي في أغلب الأحيان.

ومن أولئك المتهجمين المهولين الطاعنين من لم يقرأ المقالات، ومنهم من قرأ ولم يفهم أو ادعى عدم الفهم، لكن الغريب حقاً أنه وفي حين انبرى رجال دين إلى الهمز واللمز و"توبيخ" كتاب المقالات، فإننا لم نجدهم يتوجهون بالنصح لأولئك الشتامين لكي يهذبوا لغتهم ويحاوروا بالعقل والمنطق والأدب.

وبينما أتابع تقديس البعض الأعمى لفقيه وعالم دين اجتهد في زمانه وأفضى الى أمر ربه، تذكرت وصف ابن كثير في موسوعته البداية والنهاية لمشهد جنازة ابن تيمية، وما شهدته من بكاء ونحيب، وما لفت نظري أنه بعد دفن ابن تيمية في مقبرة الصوفية بجانب أخيه، أن هناك جماعة ممن كانوا يقدسونه شربوا الماء الذي فضل من غسله، واقتسمت جماعة مقدّسة له ايضاً السدر الذي غسل به، وغير ذلك من أمثلة تدفعنا إلى التساؤل: لو كان ابن تيمية، ذلك الذي وصفه ابن كثير بالقول: "وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب ولكن خطأه بالنسبة الى صوابه كنقطة في بحر لجي"، لو كان إذن على قيد الحياة، فهل سيرضى بما يفعله أولئك المريدون، بمن فيهم بعض المشايخ، وهل كان سينظر بعين الإعجاب إلى ما يقوم به بعض المقدسين له من شتم بلغ حدّ التحريض والتكفير والطعن في الأعراض؟

تصبح المفارقة أكبر حين نعلم أن ابن تيمية نفسه تراجع عن العديد من فتاويه التكفيرية، حتى قال الذهبي في سير أعلام النبلاء، إن ابن تيمية قال في اخر حياته "أنا لا أكفر أحداً"، وهذا دليل على تراجعه بعد تعرضه للنقد وكشف أخطاء في فتاويه، واليوم هو في رحمة الله عز وجل، وكتبه لا زالت تطبع ويؤخذ بها، إلا أن البعض يتصرف وكأن كل ما قاله صحيح خال من الشوائب، وإن كانوا يرددون بأن ابن تيمية غير معصوم، غير أن كل مواقفهم وردود أفعالهم توحي باقتناعهم بعكس ذلك.

ما أود قوله لأولئك المقدسين المقلدين الذين لا يقرأون ولا يفهمون ويغلقون عقولهم عن الحقيقة، ابعدوا عن الفجور في الخصومة، والأدب عنوان الحكمة، وأقول للمشايخ الكرام كان الأولى بكم، بدلاً من الهمز واللمز واستغلال عواطف المجتمع الدينية البسيطة، ان تنصحوا أولئك الذين فجروا في الخصومة ووصلوا الى الأعراض لا ان تركزوا على من انتقد دون إساءة ودون حط من قدر أحد.

الحقيقة التي لا يجب أن يغفل أحد منا عنها، هي أنه لا ابن تيمية ولا مالك ولا أبو حنيفة ولا الشافعي وغيرهم من العلماء الأجلاء، وصلوا إلى الحقيقة الكاملة، كما لن نصل نحن أو سوانا إليها، وكفانا بقول الله في محكم كتابه: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّـهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

ولو أراد الله عز وجل لنا الوصول إلى الحقيقة الكاملة، ليسّر لنا ذلك، ولكنه أراد للإنسان أن يبحث ويبحث ويبحث حتى الرمق الاخير، والقراءة والاجتهاد خير طريق لذلك، والفكر النقدي لا يمكن أن يحطّ من مكانة أي شخص.
T+ T T-