الأربعاء 16 أكتوبر 2019
موقع 24 الإخباري

"حقيقة الواقع والصنم الحقيقي"



قرأت مقالة في صحيفة الرؤية للكاتبة الإماراتية الأستاذة فاطمة المزروعي، فيها حكاية مهمة دارت بينها وبين صديقة خليجية، تقول فيها:
" قبل أيام وصلتني رسالة من صديقة تعيش في دولة خليجية، هذا الإيميل أبكاني وأضحكني، ولن أقول المزيد أترككم مع رسالتها "الصراحة يا أستاذة فاطمة، سعدت وأنا أسمع صوت الأذان يملأ الأرجاء من المسجد القريب من الفندق، لكن المفاجأة أننا ونحن في المول ـ السوق ـ أيضاً ملأ السوق أذان صلاة العشاء ولما رحنا نصلي وجدت المصلى كبيراً وواسعاً ونظيفاً ومبخراً وفيه مصاحف".

هذه الأخت ليست سيدة من دولة أوروبية أو تعيش في أمريكا، بل من بلد شقيق، لذا سألتها: ماذا تتوقعين، ألا نصلي مثلاً؟ أو لا يرفع الأذان والصلوات في مساجدنا؟ فردت قائلة "حسبنا اللـه ونعم الوكيل على تلك المحاضرة الدينية وذاك المحاضر الذي دسّ الأكاذيب في عقولنا".

في هذا المقام تذكرت قصة الدرويش"شمس التبريزي" والعالم الجليل مولانا "جلال الدين الرومي"، عندما أراد الأول أن يختبر الثاني، قام "شمس" بتجرع نصف كأس من النبيذ وقدم النصف الآخر لــ "الرومي"، أمسك الكأس وهو لم يلمس الخمر في حياته، وقال: "إن المبادئ والقيود الدينية مهمة، لكنها يجب ألا تتحول إلى محرمات، بهذا الفهم أجرع الخمر التي تعطيني إياه اليوم، مؤمناً من كل قلبي بأنه توجد رجاحة عقل ورزانة بعد ثمالة الحب".

ووضع الكأس على شفتيه، ثم انتزعها "شمس" فانسكب النبيذ على الأرض مثل سيل الدم، فقال: "لا تشربه إذا لم تكن ترغب في مواصلة هذه التجربة"، فقال "الرومي": "إن كنت ستطلب مني ألا أحتسي هذا الخمر، فلماذا عرضت علي شربه وأنا أثق بك"، فقال "شمس" مبتسماً: "إنك تعرف السبب، فالنمو الروحي يكمن في وعينا، لا بتوجسنا من أمور معينة، وهذا مقام القاعدة الثانية والثلاثون من قواعد العشق "يجب ألا يحول شيء بين نفسك وبين الله؛ لا أئمة، ولا قساوسة، ولا أحبار، ولا أي وصي آخر على الزعامة الأخلاقية أو الدينية، ولا السادة الروحيون، ولا حتى إيمانك، آمن بقيمك ومبادئك، لكن لا تفرضها على الآخرين، وإذا كنت تحطم قلوب الآخرين، فمهما كانت العقيدة الدينية التي تعتنقها، فهي ليست عقيدة جيدة، ابتعد عن عبادة الأصنام بجميع أنواعها، لأنها تشوه رؤيتك، ليكن الله والله وحده دليلك، تعلم الحقيقة يا صديقي، لكن احرص على ألا تصنع من الحقائق التي تتكون لديك أوثاناً".

هذه الحقيقة الواقعية التي صدمت صديقة الكاتبة، وهذه حقيقة الصنم الذي كانوا يعتبرون كلامه وحي إلهي، فإذا وصلت إلى حقيقة لا تفرضها على أحد، ولا تمنع أحداً من البحث عنها، أما الأصنام التاريخية أو الحالية هي بشر مثلنا، ولكل واحد منهم هوى ونفس استسلم من أجلها، وأول خطوة للبحث عن الحقيقة الواقعية ولو كانت نسبية، وكل نسبية مقيدة، لتحقيقها عليك بكسر ذلك الصنم أو الوثن الذي يعتبره الكثيرون معصوماً، وكما قالت وتحسبت تلك المرأة على ذلك الشيخ الذي أساء للإمارات، أقول حسبي الله ونعم الوكيل على كل من وظف الدين لإرضاء هواه، ونسي أن هناك إلهاً واحداً لا شريك له هو يحفظ البشر والدين، ولا غير سواه.
T+ T T-