الأحد 21 أكتوبر 2018

صفقة فرنجية: نهاية الفعل الوطني



يغرق لبنان اليوم في الحديث عن التسوية الرئاسية المنتظرة. كلام كثير حولها. عتاب حلفاء وصل إلى خصومة كانت متوقعة، وتتراكم، منذ القانون الأرثوذكسي. التسوية تُطبخ ولكن لا أحد يضمن أنها ستتم. عراقيل كثيرة أمامها، يصعب أن تحصر في الداخل اللبناني طالما الحرب في الأقليم على أشدها ولا بوادر إلى حلّ قريب، أقلّه، لا بوادر هدوء ولو حتى نسبي بين أطراف النزاع، تحديداً على سوريا وما فيها وعليها.

المهم، سليمان فرنجية ينتظر بطاقة عبوره من بنشعي إلى بعبدا. هذا حلم لم يراوده كثيراً، إلا في عز سطوة آل الأسد. يراه اليوم شبه حقيقة في مرحلة اضمحلال عائلته الكبيرة لصالح عوائل فارسية وروسية وغيرها. فجأة، ظهر عليه سعد الحريري من لا مكان ليغريه بالكرسي الأوّل ويضمن لنفسه الكرسي الثالث. وبينهما، يدفع وليد جنبلاط إلى إنجاز هذه التسوية، فهو منذ عام 2009، تراجع عن الخطاب الوطني، إلى حدود المسؤولية الأمنية، وكأن الهاجس هدنة بين المتاريس المتعددة، لا بناء دولة أو المحاولة على أقل تقدير.

هبّ الجميع في وجه سعد الحريري لأنه تجرّأ على هذه التسوية أو حتى التفكير بها. رأوا أنه يخون دماء الشهداء ويسلّم البلاد إلى من يتحالف مع قاتل والده، وبالتالي إلى قتلة والده وباقي من سقط في حقبة انتفاضة، لا يتنبه الكثيرون اليوم أن أبناءها كانوا سبباً أساسياً في القضاء عليها قبل اكتمالها. الحريري، يريد الرئاسة الثالثة، والعودة إلى لبنان وإلى واجهة العمل السياسي بعد أن أقصاه مشروع تسويته وفريقه الممانع الكبير قبل 5 سنوات. قطعوا له آنذاك رحلة بلا عودة. الآن، يريدهم أن يؤمنوا له طريق عودته بأي ثمن. في المرّة الأولى، ذهب إليهم، استقبلوه واحتضنوه، واستغلوه، ثم نفوه. هذه المرّة، يعود إليهم، ولا يعلم متى ينهون عليه كالمرة الأولى. لكنه يعود، وهذا كل ما في الأمر. تبدو السراي مغرية كثيراً.

بعيداً عن كل هذا الفعل، والضجة التي قامت على التسوية الحريرية، التي يتشارك فيها مع جنبلاط، وخلفهما نبيه بري، يبقى الأساس في كل هذه المراوغات، أنها محاولة إحياء الصيغة التي ولّى عليها الزمن، والتي هي جزء من غرق البلاد أكثر في مستنقع المحاصصة، والفساد، والمؤسسات الموزعة على قياس كل زعيم طائفة. يبقى ما يحصل في الميزان الوطني، تأكيد ما ظهر منذ زمن وليس الآن، وهو غياب التفكير الوطني من أجل حسابات ضيقة مرحلية، لن تبني بلداً مهما حاولت أن تجمّل أفعالها بأقوال العيش المشترك وحماية النظام والمؤسسات وأبيات الغزل من حين لآخر عن بيوتات سياسية أكثر ما تفعله أنها تؤمن مصالحها.

الرهان كان في مرحلة من المراحل على مشروع وطني. بدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً على وقع تسويات كتلك المطروحة اليوم. وها هو يقف حزب الله متفرجاً على نهاية حلف مواجهته، وهو يقاتل في سوريا لصالح إيران، ويناور في لبنان لصالح المشروع نفسه. حتى تسوية الإتيان بحليفه فرنجية، تخضع لحسابات طهران، لا لعلاقة الحزب الإلهي مع ميشال عون الطموح دائماً للعودة إلى بعبدا بأي ثمن، والذي بالأمس كان يراهن على الحريري، بصيغة شبيهة لرهان فرنجية عليه اليوم. قبل عام، قال عون: أنا أضمن أمن الحريري وموقعه حين أصبح في بعبدا، واليوم رجل الأسد يستعد للقول نفسه، بطلب من المنفي الذي لا يزال منفياً.

وفي التسوية، يظهر المسيحيون وكأنهم من خارج كل المعادلة، علماً أنهم هم أو بعضهم عطّل الاستحقاق الأوّل وأوصل نفسه والجميع إلى هذه الحال، يأتيهم الآخر باقتراحات، فيسارعوا إلى لملمة صفوفهم، كلّ لحسابه الخاص، لا لحساب الوطن. هنا أيضاً، يغيب المشروع الوطني حتى لو البعض يقول برفض المساومة على المبادئ. يحشره حليفه فيذهب سريعاً إلى توحيد "الراية"، وكأن الزمن يعود إلى الثمانينات، وكأن الحماية مطلوبة في قلب البيت المسيحي، ولا وجود لحماية في بيت وطني أكبر وأعمّ.

فعل الحريري، بغض النظر عن قراءته وظروفه، يكشف مرّة أخرى عن جنوح لبناني نحو تثبيت المواقع الطائفية، وتأجيل الانهيار بالتحايل. ثم، يقف اللبنانيون بين جبال النفايات المنتشرة على مساحته كاملة، بعضهم ينتظر الزعيم "الذي لا صوت يعلو فوق صوته"، وبعضهم يؤكد فعل ولائه لمن يحميه، وبعضهم الآخر منكفئ. الثابت الوحيد، أن بلد العيش المُشترك، مُستمر كما هو عليه، وكما كان عليه، وكما سيكون عليه بعد حين. لا شيء سيتغير. يحق للحريري ولجنبلاط ولفرنجية وغيرهم، أن يحلم كل منهم على أي وسادة سينام ليصحو مطمئناً على ما لديه، لديه هو.
T+ T T-