الخميس 22 نوفمبر 2018
موقع 24 الإخباري

رامز يلعب بالنار



مع رامز لم يعد السؤال إذا كانت المشاهد مفبركة وإذا كان النجوم يعلمون بالمقلب أم لا، مع رامز تجاوز الأمر هذا السؤال وأصبح السؤال: كيف تم تأسيس ثقافة سخرية من الاخرين ومن الذي جعل تلك الثقافة بذلك الترحيب الواسع؟
رامز لا يلعب فقط بالنار التي يشعلها في الغرفة التي من المفترض أن تكون محل استقبال ضيوف البرنامج وهو لا يشعلها في جنبات الفندق وعلى سطحه، ولكنه يشعلها في مجتمع بأكمله بتجسيده حالة حقيقية من اللعب بنيران السخرية القبيحة التي ليست لها علاقة بالأدب الساخر أو الفن الساخر إنه يشعل نيران السخرية التي تستهدف النيل من الاخرين، بتضخيم عيوبهم، والتركيز على نقاط ضعفهم، والاستهزاء بهم والتهكم عليهم، بهدف الانتقاص من صورهم ومن قيمتهم ومن أشكالهم ومن حياتهم ومن سلوكهم وتصرفاتهم وأحجامهم.

رامز يلعب بنيران العنصرية والتمييز، لأنه يلعب اللعبة التي أجاد قبله باسم يوسف لعبها، والتي أصبحت ثقافة قبيحة تغزو مجتمعاتنا، وتنال من قيمنا وتهدم ثوابتنا، وتتلاعب بمبادئ راسخة، وتنتهك أوامر إلهية، بدعوى أنها تنكيت وبحجة أنها صورة لإضحاك الناس وإخراجهم من حالة البؤس التي يعيشونها ومن حيالة سيولة الحزن والأخبار المفجعة، والمؤلمة والصدمات المتوالية التي تطرق على رأس المواطن العربي في كل مكان.

رامز يلعب بنا، برعاية رسمية من القناة التي تتبنى هذا الشكل الخطير من الرسائل التي تأتي في سياق مبهر، وإنتاج ضخم وإمكانيات هائلة وفريق عمل أجنبي، ونجوم يقبلون الإهانة التي يوجهها لهم رامز، لأنهم يرضون بأن تكون قيمة صورهم وكرامتهم ونجوميتهم رهناً بالمبلغ الذي يتم دفعه لهم لإغرائهم وإغوائهم لكي يوافقوا على أن يكونوا جزءا من اللعبة التي يلعبها رامز بالنار سنوياً.

لست معنية إذا كان النجوم يعرفون بأنهم في مصيدة كاميرا خفية ولست معنية إذا كان ضيوف رامز يعلمون عن أمر المقالب، فالأمر كما نشاهده اليوم جاوز هذا الأمر بمراحل، حيث أصبح رامز بطل هذا العصر وبرنامجه يستنسخ بأكثر من طريقة وفي أكثر من قناة ، وقناة الحياة التي قدمته تقدم هاني رمزي بنفس الطريقة وبنفس الإمكانيات، والقنوات التي لا تمتلك نفس الإمكانيات المادية، تقدم اللعبة ذاتها ولكن بتكلفة أقل وبنجوم من الصف الثاني.

مع رامز لم يعد السؤال إذا كانت المشاهد مفبركة وإذا كان النجوم يعلمون بالمقلب أم لا، مع رامز تجاوز الأمر هذا السؤال وأصبح السؤال: كيف تم تأسيس ثقافة سخرية من الاخرين ومن الذي جعل تلك الثقافة بذلك الترحيب الواسع؟ .

السخرية فعل مذموم جداً، ومنهي عنه ولا أعلم كيف تحول إلى ثقافة لا يستهجنها أحد ونحن نرعاها، ونهدهدها ونحولها إلى فعل شائع ومقبول.
لا يمكنني أبداً أن أستغرب الحالة المزرية التي أراها في مواقع التواصل الاجتماعي والتي جعلت من السخرية ثقافة عامة، التهكم والازدراء والاحتقار والتقليل من شأن الآخرين، والتنابز بالألفاظ وتصوير الشخص بصفات غريبة من أجل إضحاك الآخرين عليه.

نعم رامز يلعب بالنار وهو لا يحرق ضيوفه، ولا يهددهم ولكنه يحرق ثقافة مجتمع، وينشر سلوكاً مرفوضاً ويجعل منه ثقافة مقبولة، نحن نضحك ونندهش ونستغرب، وننهي الحلقة بسؤال معتاد: هل يعرفون ؟

انشغلنا بهل يعرفون وهل المشاهد حقيقية أم مفبركة؟؟ ونحن نستقبل ونتقبل شكلاً من أشكال القيم الهابطة التي ترسخ لفكرة السخرية من أجل الإضحاك متجاوزين بذلك كل المحاذير، ومتجاهلين كل الحقائق التي نرتكز عليها للخروج من بئر العنصرية الذي أنهك مجتمعاتنا ونخر فيها وحولنا إلى ذلك المشهد اليومي الدامي.

لا تستهينوا برسائل الإعلام فكل شيء يبدأ مما يستقبله المشاهد من سلوكيات وأفكار وقيم، لا سيما إذا كانت في إطار مبهر كالذي نراه في رامز بيلعب بالنار.
T+ T T-