الخميس 18 أكتوبر 2018

الذكاء الأخلاقي.. طوق نجاة الأطفال والمراهقين من براثن التطرف والعنف

قدمت الخبيرة التربوية والاستشارية، المحاضرة الأمريكية، ميشيل بوربا إدوارد، مؤلفة كتاب "بناء الذكاء الأخلاقي: القيم السبعة الأساسية لتعليم الأطفال القيام بالفعل الصحيح"، ورش عمل لأكثر من نصف مليون شخص خول العام، ونالت جوائز عالمية مثل "ناشيونال إديوكيشن" عن جهودها في التربية الأخلاقية وتأسيسها لممارسات مبتكرة لمساندة الشباب والمراهقين الذين يعانون من أزمات مختلفة.

وينقل موقع 24، بعضاً من أبرز أفكار إدوارد، والتي نشرت عبر موقع "إديوكيشن وورلد"، إحدى أهم المدونات المتخصصة في التعليم، والتي تنقل خبرات أبرز التربويين في العالم.

وتقول إدوارد: "مدفوعة بقلق جم حيال ما أراه من نمو مضطرد مخيف في اختلال موازين القيم وما هو صحيح وما هو خطأ لدى جيل الأطفال والمراهقين وحتى الشباب، أحاضر وأكتب وأعلم وأدرب وأفعل كل ما باستطاعتي لأجل التربية الأخلاقية، وأؤمن أن طوق النجاة لهذا الجيل يكمن في (الذكاء الأخلاقي)".

شباب عنيف .. أفكار التدمير
وعلى مدى عقدين من الزمان عملت إدوارد عن كثب مع طلاب عانوا أزمات أو سببوها، وأجرت بحوثاً حول العدوانية والتنمر والعنف، وسقوط المراهقين في براثن عصابات وجماعات متطرفة، وتقول: "في بحثي حول الشباب العنيف المعادي للمجتمع، كان الأمر الذي بدا مشتركاً في أغلب الحالات، هو افتقاد الذكاء الأخلاقي، أو ضياع بوصلة مفاهيم الأخلاق لديهم، وخاصة في التعاطف مع الآخرين والمختلفين عنهم، وفي فكرة تحكمهم في ثورات غضبهم وطريقة التعبير عنها".

وخلصت إدوارد لنتائج هامة، أبرزها المتعلقة بارتكاب الشباب والمراهقين لجرائم بحق الآخرين، حيث أن نسبة كبيرة منهم ربما تعرف أن تصرفها خطأ، لكن تقبل مسوغات الجماعة العنيفة أو تلك التي تبنتها بسهولة، كما ينقصهم الشعور بأحقية الآخر في الحياة والوجود، ويعتبرون أفعالهم الفظيعة قوةً ورد اعتبار، كذلك يتبعون أفكاراً تدميرية ظلامية لا أخلاقية في الواقع، ويحور بعضهم معانيها لتصبح مقبولة لديهم، وأكدت إدوارد أن النتائج غالباً مأساوية لكل ما سبق، وحذرت من خطر اختلال المفاهيم وتولي جهات لها أجندات سياسية وأمنية واقتصادية خطيرة، مسؤولية توجيه الشباب.

التحدي .. ذكاء أخلاقي في المناهج
وفي كتابها "بناء الذكاء الأخلاقي: القيم السبعة الأساسية لتعليم الأطفال القيام بالفعل الصحيح"، تحاول إدوارد تقديم طرق عملية تمكن الأطفال والمراهقين من تبني الأخلاقيات السليمة، بطريقة ذكية، وقلب المعادلة العصرية التي تنذر بكارثة اليوم، في مواقف وأفعال الجيل الجديد وتوجهاته.

وتقول: "من المستهجن لدي أن تخلو مقررات دراسية عديدة حول العالم، من التربية الأخلاقية المبتكرة، فمن أين يمكن للجيل الجديد استيعابها إن لم تكن المدرسة المصدر الأكبر، لا يمكننا الرهان على الأسر والمجتمع، هذا غالباً لا يكفي، بل وفي كثير من الاحيان لا يؤدي دوره، لذا نحتاج لتدريس الذكاء الأخلاقي في المدارس ضمن المناهج".

وتركز إدوارد على أخلاقيات أساسية في بناء أدوات الذكاء القيمي، ولخصتها في 7 عناصر تتفرع منها معادلات كبرى، وهي التعاطف، والضمير، وضبط النفس، واحترام الآخر، والتسامح، والعدل، والإحسان.

وتقول: "رغم أن هذه العناصر قد تبدو معروفة وبسيطة، إلا أنها مفتقدة بشكل مخيف اليوم، علينا أن نساعد الجيل الجديد في تشكيل مفهوم سليم لمعنى أن تكون إنساناً، بكل ما في الإنسانية من جميل وخير".

وتعود إدوارد للتأكيد على شق الذكاء في المسألة برمتها، فتقول: "نحن ملزمون بغرس تلك القيم، لكن بذكاء، والتحدي هو في جعل هذه الفضائل أسلوب حياة يضمن النجاح والتوازن النفسي، لأجيالنا، نحو مستقبل أفضل بالأخلاق والعلم، للجميع".

خطة 21 يوماً
وأشارت إدوارد في كتابها لحقيقة مفزعة حيال تطبيق الذكاء الأخلاقي، إذ تقول: "السرعة والاستهلاكية الكبيرة في عصرنا تجعل الغالبية تنأى عن الأخلاقيات، والكارثة أن الأكبر سناً لا يجدون الوقت والقدرة وطول النفس لتعليم الأطفال أصول الأخلاق، بل إنهم أنفسهم يفقدون ايمانهم بقناعات مثلى أحياناً".

وتنصح إدوارد بتبني استراتيجيات لخبراء تربية، من أشهرها ما يعني بمقاومة الضغوط والتعامل مع التنمر في المدارس، وضبط الأعصاب، وحل الأزمات، ومهارات التسويات، وأساليب التهدئة وتنمية المهارات والإيجابية، وتخصيص 5 دقائق على الأقل لبضعة أيام من الأسبوع لهذه الغاية النبيلة المتمثلة في بناء ذكاء أخلاقي للأطفال والمراهقين.

وطُبقت أخيراً تقنيات ورؤى إدوارد على أكثر من ألف طالب في مدارس أمريكية ابتدائية تصنف من الأكثر توتراً وتعاني مشاكل مختلفة، حيث خصصت خطة لمدة 21 يوماً، يتم فيها تبني عادة أخلاقية واحدة لتعليم سلوكيات فضلى، لوقت قصير يومياً، حيث تشرح إدوارد: "أحد الأخطاء التي يمكن أن تحدث في هذا الشأن، أن نثقل على الطلاب بمحاضرات او نبالغ في تعليمهم ونأخذ الكثير من وقتهم ونطالب بنتائج سريعة، وهذا يؤدي لنتائج عكسية".

ونجحت خطة إدوارد، وحللت جامعة "رايت ستايت" النتائج، التي عبرت عنها الدراسة، فخلصت إلى تحسن ملحوظ في السلوك الأخلاقي للطلاب، وانخفض ما يقدر بـ 39% من معدل التعدي اللفظي والجسدي من جانبهم، وأكد 93% من المعلمين، أن الطلاب عموماً بدوا اكثر لطفاً واحتراماً وتعاوناً وكياسة ونشاطاً.

أزمة الشخصية
وتعتبر إدوارد أن نسبة كبيرة من الأطفال والمراهقين اليوم يعانون "أزمة الشخصية"، التي تتجلى في إعجابهم وتبنيهم لممارسات هدامة، وقلق وعبثية كبيرة تبدو على تعاملاتهم، ناهيك عن جوانب أخرى كثيرة أكثر خطراً، وهو ما يؤكد افتقاد "الذكاء الأخلاقي".

وتقول: "في امريكا مثلاً لدينا أرقام مفزعة في جرائم القتل من الشباب، وتعتبر المخدرات والكحول والتطرف أخطاراً أساسية وهي آخذة في التفاقم، وقسوة المجموع بدورها تشهد نمواً مضطرداً، حتى بين الصغار، وخلال عقدين من الزمن، ارتفعت نسبة الأطفال المشخصين باضطرابات الشخصية وفرط الحركة واضطرابات قلة التركيز إلى 700%، وارتفعت نسبة الميول الانتحارية بين المراهقين والشباب إلى 400%، أما الاكتئاب فوصل إلى 1000%، وهذه كوارث بكل المقاييس".

وتضيف: "هناك تزايد مخيف أيضاً في عدم احترام النظام، ورفض السلطة، والإيمان بكل ما هو لا أخلاقي، كالخيانة والعنف والابتذال والغش والسرقة والشغف بالمال والاستغلال وإهانة الآخرين والأنانية، وافتقار الأدب، مما يؤكد بلا جدال أن الأجيال الجديدة مضطربة كما لم تكن يوماً، كأنهم في جنون، لذا نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لبناء ذكاء أخلاقي، هذا هو طوق النجاة الوحيد، لا شيء آخر".

الرسائل السامة .. المصير
وتحذر إدوارد في كتابها من رسائل سامة يتعرض لها الجيل الجديد، تأتي من مصادر يستحيل منعها تماماً ويسهل عليهم الوصول إليها، مثل التلفزيون والأفلام وألعاب الفيديو والإنترنت والإعلام، وتشرح: "تصلهم أفكار تمجد العنف وتدعو للفردية ونبذ الوطنية، وتعزيز الكراهية والغرور والتباهي والأذى والمادية البحتة والجنس العرضي والمواد الإباحية والتحرش، وتسويق نماذج مجرمة باعتبارها جذابة ومثيرة للإعجاب، وتضييق الأفق وغيرها الكثير من الأفكار الكارثية السامة المحطمة للأخلاق، بل تشكيل أخلاق جديدة من أسوأ ما يكون".

وتشير إدوارد إلى صعوبة تحقيق التربية الأخلاقية لأسباب كثيرة، وتشدد على أهمية إصلاحها، فتقول: "هناك عوامل حاسمة ساهمت بشكل أساسي في كل تلك الكوارث، من أبرزها عوامل اجتماعية خطيرة تغذي نماذج لا أخلاقية، وتفتت الروابط الروحية والوطنية، والعلاقات السيئة بين الكبار في الحياة العامة، وقلة الدعم المجتمعي، وافتقاد الاستقرار، وغيرها".

وتضيف: "لكن ربما الأخطر على الإطلاق يتجلى في الأفكار الظلامية والهدامة التي تحيط بالأطفال والمراهقين من كل صوب، أعلم أن التحدي ليس هيناً في بناء ذكاء أخلاقي لهم، لكنه يرقى لقمة أكثر الاحتياجات مصيرية اليوم".

T+ T T-