السبت 20 أكتوبر 2018

حجب الجزيرة.. ضرورة أخلاقية وواجب سياسي



يحرّض أحد أعضاء التنظيم السري في الإمارات في أحد التسجيلات التي كشفها وثائقي "دهاليز الظلام" على قناة أبوظبي، على القيام بتحركات وأنشطة والتشويش الإعلامي وعبر وسائل التواصل الاجتماعي "ولو باستخدام الكذب" ضدّ نظام الحكم في الإمارات، والهدف من ذلك إثارة انتباه قناة الجزيرة القطرية، بما فيه الكفاية لكي تتبنى هذا "الحراك"، وفي ذلك، بحسب ذلك العضو الإخواني، نصر ما بعده نصر، وخطوة ضرورية نحو تكرار المشهد المصري والتونسي، في بداية ما يسمى الربيع العربي، في دولة الإمارات وغيرها من دول الخليج العربي.

يعكس كلام العضو الإخواني هذا تموضع "الجزيرة" في أذهان وعقليات وأجندات التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية، فهذه القناة ليست مجرد قناة إعلامية تنقل "الرأي والرأي الآخر" على ما يقول شعار القناة الزائف، بل هي أداة ووسيلة قتالية، لا تختلف عن الأدوات الأخرى (المال، السلاح) بل تكاد تكون الأداة الأولى والأهم في عملية نشر الفوضى وترسيخها في العالم العربي.

ومن هنا فإن حجب الإمارات والسعودية لهذه القناة، ومواقع وصحف قطرية أخرى، يبدو أكثر من بديهي، بل متأخراً إلى حدّ ما، لاسيما بعد سقوط الأقنعة وانتقال الجزيرة العلني من كونها إحدى أدوات القوة الناعمة للسياسة القطرية، والرافعة الأساسية (جنباً إلى جنب المال) لحضور قطر السياسي في المنطقة والعالم، إلى الناطق الرسمي في كثير من الأحيان للمنظمات الإرهابية (داعش، القاعدة، النصرة، الإخوان، طالبان) مع دور أكثر صراحة وعلانية في تأجيج الصراع الطائفي والمذهبي، وهو الخطاب الذي يتخطى بمراحل عديدة الدور التقليدي للإعلام، إلى أن يصبح ماكينة أيديولوجية وصانعاً حقيقياً للمزاج العام، مع ما يعنيه ذلك في حالة الجزيرة تحديداً من توليد مستمر لإرهابيين ومشاريع "جهاديين" جدد، تحت ذرائع وأقنعة واهية (عدالة القضية السورية) ، ولو تسنت لنا دراسة العوامل المؤثرة في عملية غسل أدمغة الشباب العربي وزرع بذور التطرف والتشدد في عقولهم، خلال العقدين الماضيين، لوجدنا الجزيرة وتوابعها (صحف ومواقع إلكترونية وحسابات تواصل اجتماعي تتناسل بصورة غير مسبوقة) رأس حربة هذه العملية الممنهجة، ولأدركنا أن المسألة، مسألة الجزيرة، تتجاوز قضية الحريات وشعارات الرأي والرأي الآخر وتدفق المعلومات، إلى أن تكون مسألة أمن قومي بامتياز.

يوماً بعد يوم، وواقعة بعد أخرى، يتكشّف أكثر مدى عمق واتساع تأثير وسائل الإعلام، لاسيما الرقمية منها، على التحريض والتجييش والتجنيد وخلق منصات لوجستية للتواصل بين الخلايا والشبكات الإرهابية، ولعلّ قمة الرياض وما رافقها من إنشاء مركز "اعتدال" لمواجهة الخطاب المتطرف والإرهابي، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل ذلك إنشاء مركز "صواب" في دولة الإمارات العربية المتحدة، وإنشاء الأزهر منصة لرصد الخطاب المتطرف والردّ عليه، وغير ذلك من مبادرات أطلقت خلال العامين الماضيين، تعكس كلها بصورة جلية القناعة العربية والعالمية بأن مواجهة الإرهاب الفعلية تبدأ من مواجهة خطاب التطرف والتشدّد، وبهذا المعنى لم يعد مقبولاً أن تتذرع قطر بذرائع حرية الرأي والحياد والاستقلالية الإعلاميين، لتواصل بل وتصّعد من دور الجزيرة المعهود في احتضان خطاب التشدد، وتفريخ منصات رقمية هدفها الوحيد إيجاد شرعية وحاضنة أيديولوجية وفكرية لهذا الخطاب، والهجوم بمناسبة وبغير مناسبة على دول وحكومات ومجموعات دينية ودعم منظمات إرهابية لإيصال رسائلها، كما يتجلى ذلك خصوصاً في مصر، حيث أصبحت الجزيرة الذراع الإعلامي لتنظيمي الإخوان وداعش الإرهابيين.

ورقة التوت سقطت إذن، ويبدو أن هذه هي الرسالة التي سمعتها القيادة القطرية خلال الأسابيع القليلة الماضية، ومن جهات عدة، على رأسها الولايات الأمريكية المتحدة، ويبدو أنها سمعتها أيضاً خلال قمة الرياض، وهو ما يفسّر الحملات المسعورة التي شنتها وسائل الإعلام القطرية، المعلن منها والمستتر، على الإمارات والسعودية تحديداً، وعلى قمة الرياض نفسها، وما يفسّر أيضاً الإرباك الواضح في التصريحات الرسمية القطرية، بما في ذلك قصة اختراق وكالة الأنباء القطرية الرسمية، التي يبدو أن أحداً لم يصدقها، وما يفسّر أخيراً القرار المنطقي، النابع من الإحساس بضرورة أخلاقية وواجب سياسي، بحجب قناة الجزيرة وتوابعها في الإمارات والسعودية.

أكثر من مرة، خلال الأيام والساعات الماضية، اخترقت كرة المواقف العربية والدولية المرمى القطري، لكن المشكلة حتى الآن كما يبدو أن حارس المرمى يلعب في مكان آخر. 
T+ T T-