الأربعاء 17 أكتوبر 2018

ماذا بعد قطع العلاقات مع قطر؟



تؤكد خطوة عدد من الدول الخليجية والعربية قطع العلاقات مع قطر، واقعاً كان الجميع يعرفه ويستشعره إلا حفنة المستفيدين في الدوحة، من ساسة وإعلاميين وغيرهم، بأن حالة الغضب من السياسات القطرية تتجاوز الاشتباك الإعلامي وعبر التواصل الاجتماعي، وتتجاوز حتى تصريحات تميم المحذوفة التي كانت مجرد القشة التي قصمت ظهر العلاقات مع قطر، وأن المعلومات التي تمتلكها قيادات وحكومات الدول التي بادرت إلى أخذ موقف من الدوحة وصل إلى مرحلة قطع العلاقات التي رأيناها اليوم، هي معلومات صلبة وموثوقة حول تورط قطر في جميع الملفات والقضايا المثارة حولها، ولاسيما دعم الإرهاب والتدخل في شؤون عدد من الدول العربية، وإثارة الفتن والنعرات الطائفية، والوقوف إلى جانب إيران ضدّ الأشقاء العرب، ولا نستبعد أن تشهد الأيام المقبلة كشف الكثير من الملفات والوثائق المرتبطة بهذه الملفات.

لا ريب في أن خطوة قطع العلاقات لم تكن خياراً مفضلاً بالنسبة إلى الإمارات والسعودية وغيرهما من الدول المقاطعة، فهذه الدول حاولت طوال السنوات الماضية تفادي هذه الكأس المرة، حفاظاً على وحدة دول مجلس التعاون، وحفاظاً على تماسك قطر نفسها أيضاً، وليس اتفاق الرياض في العام 2014 والذي جاء بعد أزمة سحب السفراء الشهيرة، إلا واحداً من الأمثلة على سياسة الصبر ومحاولة الاحتواء التي قامت بها دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية غير الراغبة في إثارة المزيد من القضايا والنزاعات، في الوقت الذي تبذل قصارى جهدها للوصول إلى تسويات وحلول للأزمات القائمة، وقد صبرت الدول المشاركة في اتفاق الرياض ثلاث سنوات يمكن الجزم بأن قطر لم تلتزم خلالها بتنفيذ أيّ بند من بنود الاتفاق، بل يمكن الجزم أيضاً أنها مضت في الاتجاه المعاكس تماماً، فلا دعمها وتمويلها للإرهاب توقف، ولا تدخلها في شؤون الدول الأخرى (خصوصاً البحرين ومصر وليبيا) توقف، ولا حملاتها الإعلامية ضدّ استقرار دول أخرى توقف، ولا استضافتها ورعايتها لشخصيات معروفة بتورطها المباشر بالإرهاب توقفا، أيّ أن اتفاق الرياض ظلّ بالنسبة إلى قطر حبراً على ورق، في حين تشهد الوقائع أن الدول الأخرى المعنية، ومنها الإمارات، التزمت التزاماً كاملاً بما يخصها من هذا الاتفاق، وامتنعت عن توجيه النقد لقطر، على أمل أن تحدث المعجزة، ويتم إثبات حسن النوايا، بما يدفع قطر إلى المبادرة لاتخاذ خطوات إيجابية تصبّ في خانة تعزيز العلاقات واستعادة الثقة مع تلك الدول.

اليوم، أفاقت المنطقة الخليجية والعربية، على واقع جديد تماماً. زمن الصبر والانتظار والتسويف والتبرير وتبديل الأقنعة انتهى، وبدأ زمن المحاسبة والخطوات والإجراءات العملية، والعيون كلها متجهة الآن ليس على الخطوات التي تمت، وهي في حدّ ذاتها كبيرة ومؤلمة جداً لقطر، بل على الخطوات المقبلة، والتي بلا شكّ ستكون أشدّ إيلاماً، وهي خطوات تبدو مقبلة لا محالة إذا أحسنا قراءة الموقف القطري خلال الأيام السابقة، وهو موقف يتسم بالعناد والإنكار والمكابرة وتغييب الموقف العقلاني وربما يقوم على المزيد من الحسابات والمراهنات السياسية، لكنّ مثل هذا الإصرار من جانب قطر سيقابله إصرار أكبر من جانب الدول المقاطعة، حتى نصل ربما إلى سياسة لا تقف عند حدود العزل والاحتواء، بل تتجاوزها إلى الفعل المباشر، وهو ما لا تحتمل قطر عواقبه.

الساعات والأيام المقبلة تحمل الكثير من التطورات المتسارعة، والتحدي الأكبر أمام صناع القرار في الدوحة، إذا رغبوا في الخروج من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه، يكمن في القدرة على اتخاذ خطوات مقنعة في الحدّ الأدنى، وجذرية في الحدّ الأقصى، وشجاعة في كل الأحوال، تجعل الدول المقاطعة تقبل بعودة الوساطات والحوار غير المباشر، أما التراجع عن الخطوات الحالية والقبول بحوار مباشر، فدونهما طريق طويل على الدوحة أن تقطعه بأقلّ قدر من المغامرات السياسية، وأكبر قدر من الصدق ومصارحة النفس قبل الآخرين.
T+ T T-